الآخر: أنَّ علم الإنسان وظنَّه بأمور نفسه أكثر من علمه بأمور غيره، فلمَّا كثُر فيها، وقلَّ في غيرها حُمل على الأكثر، فجُمع بينهما (10) .
ويلحق بأفعال القلوب في هذا الحكم (رأى) البصريَّة؛ حيث حُملت على (رأى) القلبيَّة (1) ، لذا عندما قال المتنبِّي:
يَرَى حَدُّهُ غَامِضَاتِ القُلُوبِ إٍذا كُنتُ في هَبْوَةٍ لا أَرَاني (2)
لم يتردَّد ابن سِيْدَه في عدِّ (أراني) بصريَّة، معلِّلاً رأيه بقوله: " لمَّا كانت (أرى) الَّتي هي للعين مطابقةَ اللَّفظ ل (أرى) الَّتي هي للقلب، وهذه تتعدَّى على هذه الصُّورة؛ لأنَّها غيرُ حسيَّة؛ كقولهم: أراني ذاهبًا، استجاز أن يجري (أرى) الَّتي هي للعين مجراها " (3) ، ويستدلُّ على هذا بما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: أما ترى أيُّ برقٍ هاهنا (4) ؛ حيث عُلِّقت فيه (أرى) عن العمل، ورؤية البرق بصريَّة لا نفسانيَّة.
من باب (أعلم وأرى)
مسألة: نهاية التعدِّي
وعنى بها: أنَّ هذه الأفعال لمَّا تعدَّت إلى ثلاثة مفعولين، ولم يعد بمقدورها أن تتعدَّى أكثر، عادت كالفعل اللَّازم الَّذي لا يتعدَّى، وأشبهت بذلك تصغير (لُيَيْلتُنا) في قول المتنبِّي:
أُحَادٌ أم سُدَاسٌ في أُحادِ لُيَيْلَتُنَا المَنُوطَةُ بالتَّنَادِي (5)
وتصغير (جبل) في قول أوس بن حجر:
فُوَيقَ جُبَيْلٍ شَاهِقِ الرَّأسِ لم يَكُنْ لِيَبْلغَهُ حتَّى يَكِلَّ ويَعمَلا (6)
لأنَّ اللَّيلة الَّتي تعدل ست ليالٍ ليست بلُيَيْلَة وإنَّما ليلة، والجبل الَّذي هذه حاله ليس بجُبَيْل وإنَّما هو جبل، ولكنَّهما صُغِّرا تصغير" تعظيم " (1) ، ويعلِّل تصغيرهما هذا التَّصغير بقوله: " ووجه تصغير التَّعظيم؛ أنَّ الشَّيء قد يعظم في نفوسهم حتَّى ينتهي إلى الغاية، فإذا انتهاها عكسوه إلى ضدِّه؛ لعدم الزِّيادة في تلك الغاية، وهذا مشهورٌ من رأي القدماء الفلاسفة الحكماء: أنَّ الشَّيء إذا انتهى انعكس إلى ضدِّه " (2) ، ولذا يرى موافقًا سيبويه أنَّ الأفعال الَّتي تتعدَّى إلى ثلاثة مفعولين بمنزلة الفعل اللَّازم؛ يقول سيبويه: "لأنَّها لمَّا انتهت صارت بمنزلة ما لا يتعدَّى " (3) .
من باب الفاعل
المسألة الأولى: رفعه بفعلٍ مضمر
وقد نصَّ على ذلك أثناء شرحه لقول المتنبِّي:
كَفَى ثُعَلاً فَخْرًا بِأنَّكَ مِنهُمُ ودَهرٌ لِأَنْ أَمسَيْتَ مِنْ أَهْلِهِ أَهْلُ (4)
فقد أعرب (دهرٌ) فاعلاً لفعلٍٍ مضمر تقديره: وليفخر دهرٌ، وقال: "وحسُن هذا الإضمار؛ لأنَّ قوله: كفى ثُعلاً فخرًا بأنَّك منهم، في قوَّة قوله: لتفخر ثُعلٌ، فحمل الثَّاني على المعنى؛ فكأنَّه قال: لتفخر ثُعلٌ، وليفخر دهرٌ، والحمل على المعنى كثير " (5) ، ويريد من هذا أنَّ الَّذي سوَّغ حذف الفعل هنا وجود قرينة معنويَّة في الكلام تدلُّ عليه. وحذف الفعل الرَّافع للفاعل مع وجود قرينةٍ لفظيَّة، أو معنويَّة تدلُّ عليه جائزٌ لدى جمهور النُّحاة (6) .
المسألة الثَّانية: لحوق تاء التَّأنيث الفعلَ للدِّلالة على تأنيث الفاعل
وهذه القضيَّة أشار فيها إلى حالة ما إذا كان الفاعل مذكَّرًا في اللَّفظ مؤنَّثًا في المعنى؛ نحو: (أتمُّ الطَّير) في قول المتنبِّي:
تُفدِّي أَتَمُّ الطَّيرِ عُمرًا سِلاحَهُ نُسُورُ الفَلا أحْداثُها والقَشَاعِمُ (7)
فهو بمعنى (النُّسور) ؛ ولذا لحقت تاء التَّأنيث الفعلَ (تُفدِّي) حملاً على المعنى، ومثلها في كلام العرب: فلانٌ لغوب جاءته كتابي فاحتقرها؛ حيث " أنَّث الكتاب لمَّا كان في معنى الصَّحيفة " (1) ، وهذا ما يسمِّيه النُّحاة بالمؤنَّث المجازي، وحكم (التَّاء) معه جائز (2) ؛ أي قد تلحق فعلَه التاءُ؛ كما في قول الله تعالى:
(قَدْ جَاءَتكُم بيِّنةٌ مِنْ ربِّكُمْ فَأوفُوا الكَيلَ وَالمِيزَانَ ( [الأعراف 85]