تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك من الأمور الَّتي اختصَّت به (كان) دون باقي أخواتها؛ لأنَّها الأمُّ في بابها (4) .

من باب (إنَّ وأخواتها)

المسألة الأولى: عمل (لكنَّ)

وعملها هو نفس عمل (إنَّ) ؛ وهو نصب المبتدأ ورفع الخبر، وقد أشار ابن سِيْدَه إلى ذلك أثناء شرحه لقول المتنبِّي:

ما مَضَوْا لم يُقاتِلُوكَ ولَكِنَّ القِتَالَ الَّذي كَفَاكَ القِتَالا (5)

فقد نصَّ (6) على أنَّ (القتالَ) اسمٌ منصوبٌ ب (لكنَّ) ، و (الَّذي) خبرها؛ والتَّقدير: ولكنَّ القتالَ القديمَ الَّذي علموه منك هو الَّذي كفاك القتالَ الآن، وإعمال (لكنَّ) المشدَّدة وأخواتها هذا العمل من الأمور المتفق عليها لدى جمهور النُّحاة (7) .

المسألة الثَّانية: إضمار ضمير الشَّأن في الحروف النَّاسخة

وضمير الشَّأن هو الضَّمير الَّذي يُكنَّى به عن جملةٍ بعده اسميَّة أو فعليَّة، تكون هي مرجعه ومفسِّرةً له، ويكون هو دائمًا بلفظ المفرد؛ لأنَّه يراد به الأمر والحديث؛ وذلك نحو: هو زيدٌ قائمٌ (1) .

وقد صرَّح ابن سِيْدَه بجواز إضماره في الحروف النَّاسخة في موضعين؛ الموضعِ الأوَّل عند شرحه لقول المتنبِّي:

إذا وَرِمَتْ مِنْ لَسعَةٍ مَرِحَتْ لهَا كَأنَّ نَوَالاً صَرَّ في جِلْدِهَا النَّبْرُ (2)

حيث قال: " يجوز أن يكون (نوالاً) منصوبًا ب (كأنَّ) والجملة الَّتي هي (صرَّ في جلدها النبرُ) خبر (كأنَّ) وفيه ضعف؛ لأنَّ اسم (كأنَّ) نكرة غير مؤيَّدة بالصِّفة " ثُمَّ قال: " وخيرٌ منه عندي أن يكون في (كأنَّ) إضمار الشَّأن أو الحديث، أي: كأنَّ الأمر أو الحديث، و (نوالاً) مفعول ل (صرَّ) ، فقوله: نوالاً صرَّ في جلدها، تفسير للمضمر الَّذي في (كأنَّ) " (3) .

وأمَّا الموضعِ الثَّاني الَّذي صرَّح فيه بإضمار ضمير الشَّأن في الحروف النَّاسخة؛ فهو عند شرحه لقول المتنبِّي:

يَرَى أَنَّ مَا مَا بَانَ مِنْكَ لضَارِبٍ بِأَقْتَلَ مِمَّا بَانَ مِنْكَ لِعَائِبِ (4)

حيث قال: " ففي (أنَّ) مضمرٌ على شريطة التَّفسير، و (ما) الأولى نفي، والثَّانية بمعنى الَّذي، والجملة بكلِّيتها تفسير المضمر على شريطة التَّفسير " (5)

وهو في هذا يوافق سيبويه (1) فهو الَّذي جوَّز حذف اسم هذه الحروف إذا كان ضمير شأن (2) ، أمَّا جمهور النُّحاة فقدجاء رأيهم في ضمير الشَّأن مع النَّواسخ عمومًا فيه تفصيل؛ حيث إنَّهم رأوا جواز استتاره في (كان) وأخواتها، وفي المقابل ضرورة بروزه مع (إنَّ) وأخواتها، و (ظنَّ) وأخواتها (3) ؛ وذلك لأنَّ اسم (كان) مرفوع، والضَّمير المرفوع يستتر في الفعل، بخلاف الضَّمير المنصوب الَّذي لا يكون إلاَّ ظاهرًا (4) ، كما أنَّه مع (إنَّ) وأخواتها لا يمكن استتاره فيها؛ لأنَّها حروف، والحروف لا تستتر فيها الضَّمائر (5) .

من باب (ظنَّ وأخواتها)

مسألة: إعمال أفعال القلوب في ضميري الفاعل والمفعول المتصلين مع اتحاد المسمَّى

نحو: ظننتُني وحسبتُني، وهذا ممَّا تميَّزت به هذه الأفعال دون غيرها من الأفعال الحسيَّة (6) ؛ فلا يُقال: أكرمتُني، وأكرمتَكَ، وأكرمْكَ، بل يُقال: أكرمتُ نفسي، وأكرمتَ نفسَكَ، وأكرمْ نفسَكَ، وقد علَّل العلماء للمنع في غير أفعال القلوب بأمرين:

أحدهما: الاستغناء بالنَّفس عن الضَّمير (7) .

الآخر: أنَّ الأصل في الفاعل أن يكون مؤثِّرًا، والمفعول به متأثِّرًا منه، والمؤثَّر يغاير المتأثِّر، فإن اتحدا معنًى امتنع اتحادهما لفظًا (8) .

أمَّا عن علَّة جواز الجمع بين الضَّميرين في أفعال القلوب فترجع أيضًا إلى أمرين:

أحدهما: أنَّه لمَّا كان المقصود هو المفعول الثَّاني؛ لتعلُّق العلم والظَّن به؛ لأنَّه محلهما بقي المفعول الأوَّل كأنَّه غير موجود، والأمر يختلف مع غيرها من الأفعال نحو: ضربتُني، وضربتَك؛ لأنَّ المفعول محل الفعل فلا يُتوهَّم عدمه (9) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٨٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٨٠٥