فقد قدَّر (1) اسم (غدا) ضميرًا مستترًا فيها، والجملة الاسميَّة (قِدُّهُ الحِمَامُ) خبرًا لها، وهو في هذا أيضًا يوافق الجمهور (2) .
المسألة الخامسة: وقوع الجار والمجرور في موضع الخبر
وهذا الحكم نصَّ (3) عليه أثناء شرحه لقول المتنبِّي:
مَنْ لَيسَ مِنْ قَتْلاهُ مِنْ طُلَقَائِهِ مَنْ لَيسَ مِمَّنْ دَانَ مِمَّنْ حُيِّنَا (4)
فقد خرَّج قوله: (مِنْ طلقائِه) في موضع خبر المبتدأ الَّذي هو (مَنْ) الأولى، وقوله (مِمَّن حُيِّنَا) في موضع خبر المبتدأ الَّذي هو (مَنْ) الثَّانية، وواضحٌ من قوله (في موضع الخبر) أنَّه لا يعدُّ الجار والمجرور هما الخبر، وإنَّما في موضعه، وهذا هو رأي الجمهور (5) .
المسألة السَّادسة: سدُّ الحال مسدَّ الخبر
فقد صرَّح بأنَّ الحال قد تأتي بعد المبتدأ فتغنيه عن الخبر؛ وذلك عند شرحه لقول المتنبِّي:
بِحُبِّ قَاتِلَتِي والشَّيبِ تَغذِيَتِي هَوَايَ طِفْلاً وَشَيْبِي بَالِغَ الحُلُمِ (6)
حيث قال: " (هواي) يجوز أن يكون مبتدأ، وخبره الحال الَّذي هو (طفلاً) ؛ كقولك: أكثر شربي السويقَ ملتوتًا " (7) ، وقوله بجواز سدِّ الحال مسدَّ الخبر موافقٌ لقول الجمهور (8) .
المسألة السَّابعة: لا يُخبر عن المبتدأ قبل أن يستكمل جميع متعلِّقاته
ولذا قرَّر بأنَّ الباء في (بأن تسعدا) متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: وفاؤكما بالإسعاد؛ وذلك في قول المتنبِّي:
وَفَاؤُكُمَا كَالرَّبْعِ أَشجَاهُ طَاسِمُهْ بِأنْ تُسْعِدَا وَالدَّمعُ أَشفَاهُ سَاجِمُهْ (9)
وقال: "ولا تكون متعلِّقة ب (وفاؤكما) الأولى؛ لأنَّك قد أخبرت عنها بقولك: (كالرَّبع) ، فمحال أن تُخبر عن الاسم وقد بقي ما يتعلَّق به لأنَّ هذا المتعلَّق به جزءٌ منه، فكما لا يُخبر عن الاسم قبل تمام حروفه كذلك لا يُخبر عنه وقد بقي ما هو جزءٌ منه" (1) ، وما نصَّ عليه موافق لما جاء عن الجمهور (2) .
من باب (كان) وأخواتها
المسألة الأولى: كان التَّامة
وسمَّاها ابن سِيْدَه (الغنيَّة) (3) لأنَّها تقابل كان النَّاقصة (الفقيرة) إلى الخبر، وقد ذكر (4) هذا أثناء شرحه لقول المتنبِّي:
ثَنَى يَدَهُ الإحسَانُ حتَّى كأنَّها وقَد قَبَضَتْ كَانَتْ بِغيرِ بَنَانِ (5)
فقد جوَّز أن تكون (كانتْ) في البيت بمعنى: (خُلقتْ) ، ويقيسها على ما حكاه سيبويه من قول العرب: أنا أعرفك مذ كنتَ؛ أي: مذ خُلقتَ (6) ، والقول بمجيء (كان) تامة مكتفية بفاعلها موافقٌ لرأي الجمهور. (7)
والفرق بين (كان) التَّامة هذه والنَّاقصة؛ أنَّ المرفوع بالتَّامة فاعلٌ يتمُّ الكلام به، وأنَّها تؤكَّد بالمصدر، ويتعلَّق بها الجار والمجرور، وتعمل في الظَّرف والحال. والنَّاقصة بخلافها في ذلك كلِّه (8) .
المسألة الثَّانية: عدم إعمال (كان) وهي مضمرة
ويقصد بهذا الحكم (كان) النَّاقصة؛ فهو بعد أن قدَّرها في قول المتنبِّي:
وَصَارَ مَا في مِسْكِهِ لِلمِرْجَلِ فَلَم يَضِرْنَا مَعْهُ فَقْدُ الأجدَلِ (9)
نفى أن يكون لها عملٌ في الجملة، وقال: " أراد: ما كان في مسكه، ف (في مسكه) من صلة (الَّذي) ولا تكون خبرًا ل (كان) هذه المرادة؛ لأنَّ تلك لا تُضمر وتعمل؛ لأنَّها فعلٌ كونيٌّ غير مؤثِّر، ولذلك منع سيبويه إضمارها، وإعمالها " (1) ، وهو يبني رأيه هذا على الكثير الشَّائع؛ وإلاَّ فهو مخالفٌ لما استقرَّ عند النُّحاة من جواز حذف (كان) تخفيفًا مع بقاء عملها، قياسًا على قول الشَّاعر (2) :
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أنتَ ذَا نَفَرٍ فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأكلْهُم الضَّبعُ
فقد استشهد به كثيرٌ من العلماء على حذف (كان) والتَّعويض عنها ب (ما) ؛ وقالوا إنَّ (أمَّا) في البيت مركبَّة من (أنْ) ضُمَّت إليها (ما) المؤكِّدة، ولزمتها عوضًا من ذهاب (كان) ، والضَّمير المنفصل (أنت) في محل رفع اسم (كان) ، و (ذا نفرٍ) خبرها (3) .