تَعَلّماً ها لَعَمْرُ اللهِ ذا قسَماً
فاقْصِدْ بذَرْعِكَ وانْظُرْ أَيْنِ تَنْسَلِكُ (158)
كل تلك المواقع التي تقعها الهاء قياسية مطردة، وهي وجوه منضبطة، كما أشار إلى ذلك المالقي. وهاء هذه التي يراد بها التنبيه لا تدخل على الإشارة فحسب، بل تقع في وجوه متفرقة فتدخل على الضمير ويكون هذا الضمير فاصلاً بينها وبين اسم الإشارة كقولنا: ها أنتم أؤلاء، وها أنتم هؤلاء، ونقول: ها أنا ذا أفعل. كما أنها قد تستعمل مفردة فيقال: ها بمعنى تنبه (159) ولا تزال هذه الصيغة تستخدم في لهجاتنا المعاصرة لنفس الغرض. كما أنها قد تدخل على "إن" كما في قول النابغة:
ها إن تا عِذْرَةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ نَفَعَتْ
فإنَّ صاحِبَها قَدْ تاهَ في البَلَدِ
قال ابن يعيش: الشاهد فيه إدخال ها التي للتنبيه على إن (160) .
وتدخل كذلك على الواو، كما في قول الشاعر:
ونَحْنُ اقْتَسَمْنا المالَ نِصْفَينِ بَيْنَنَا
فَقُلْتُ لَهُمْ هذا لَها هَا وذَا لِيا (161)
ومما يتصل بصوت الهاء، التي هي تعبير انفعالي عن خلجات النفس من توجع أو غضب أو إثارة أو تنبيه، أنها تأتي كصوت للتنبيه في بعض اللغات السامية حيث يدخل على أسماء الإشارة، نقول في العربية هذا وهذه وهذان وهاتان وهؤلاء وفي العبريةhazzeh،hazzot، haelleh (162) . كذلك تدخل الهاء على الضمير في العبرية، نقول في العربية "هاهم" و "هاهنّ" وفي العبرية وقد تجيء هذه الهاء مستقلة تماماً عن أسماء الإشارة أو الضمائر.
في بعض الاستعمالات في اللغة العربية، وقد أشار ابن منظور إلى ذلك بقوله "ها مقصورة: كلمة تنبيه للمخاطب، ينبه بها على ما يساق من كلام. وقالوا: ها السلام عليكم، فها منبهة مؤكدة، قال الشاعر:
وقَفْنا فَقُلْنا ها السَّلامُ عليكُمُ
فَأَنْكَرَها ضَيْقُ المَجَمِّ غَيُورُ
وقال آخر:
ها إِنَّها إِنْ تَضِيقِ الصُّدُورُ
لا يَنْفَعُ القُلُّ ولا الكَثِيرُ (163)
وقد يفهم معنى الإشارة من هذا التنبيه، وهو ما يزال مستعملاً في كثير من بيئاتنا العربية في بلاد الشام، إذ يقول البعض ها الإنسان، ها الشجرة، فقد يفهم من هذا القول "هذا الإنسان" و "هذه الشجرة". واستعمال "ها" ha للإشارة عرفه القدماء، لذا "عدت من أسماء الإشارة البدائية التي لا تزال تستخدم في العربية للتنبيه. بمعنى "نظر" (164) كما استعملتها السبئية للإشارة للمذكر والمؤنث بمعنى هذا وهذه (165) واستعملت للإشارة والتعريف في الصفوية واللحيانية والثمودية (166) كما استعملها للتعريف بعض من اللغات السامية الأخرى، ففي الآرمية تكون للتعرف في آخر الكلمة مثل baytha البيت (167) ، وفي العبرية في أول الكلمة (168) . وربما كان الأصل في هذه الهاء هو "هل" ثم عند دخولها على الاسم المراد تعريفه، تحذف اللام من "هل"، وتدغم حركتها في الحرف الأول من ذلك الاسم، فينتج عن ذلك الإدغام تشديد لذلك الحرف فنقول مثلاً: "بيت" "هبيت"البيت.
وهذا عينه ما يوجد في اللغة العربية ويعرف بأل الشمسية، فنقول: رجل والرجل، وقد حصل عدم نطق اللام وإدغام حركتها فيما بعدها فيشدد "أرّجل". ولعل هذ1 يدفع إلى القول بأن أل التعريفية في العربية هي "هل" التعريفية في العبرية، بعد وقوع الإبدال بين حرفي الهاء والهمزة، وهو إبدال شائع مشهور سبقت الإشارة إليه.
والتعريف بالهاء في أول الكلمة ليس خاصاً بالعبرية وحدها، بل نجده في بعض اللهجات العربية البائدة. (169) . فأداة التعريف في الصفوية هي ال "هـ" أو"ها" وهي الأداة نفسها المستعملة في اللحيانية والثمودية، فلفظ مثل "هبيت" تعني البيت ولفظ مثل "هخط" تعني الخط (170) . ويذهب جواد علي إلى القول بوجود صلة بين التعريف والإشارة، وأن الهاء تستعمل لإفادة كل منهما، فيقول "ويؤدي حرف هـ" الذي عرفناه أداة للتعريف معنى اسم الإشارة وبينهما صلة، حيث ذُهب إلى أن أداة التعريف هي إشارة في الأصل، فلفظة مثل "هدر" تعني في الواقع "هذه الدار" وهذا المكان. ونعني بالدار: الدار المعهودة المشار إليها، وترى ذلك واضحاً في هذا النص: "لحوق بن كنيت هدر" أي: لحوق بن كنيت هذه الدار. وتعتبر "هذه الدار" أقرب للواقع من "الدار" لأن صاحبها كتب كتابته هذه لتكون وثيقة عنده تشير إلى ملكيته لهذه الدار المعهودة، ولهذا فإن الإشارة تكون أقرب إلى الفهم من التعريف (171)