تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الصيحات الانفعالية موجودة في اللغة العربية، ومنها ما يخلو من الهاء مثل أُف، أخ، أح، ومنها ما يوجد فيها، مثل: ها، وهيا، وهَيّا، وهلاّ، وهيت، وهيهات، وهلم وهاه وإيه وواه، وواهاً وآه، ومه، وصه، وغيرها من الألفاظ التي أطلق عليها اسم أصوات الأفعال.

وربما كان أصل هذه الأصوات الانفعالية صوت الهاء ثم أضيف إليه صوت أو أكثر قبله أو بعده. وأغلب ما أضيف إليه من أصوات المدّ وثبت على هذه الحالة التي نراها. ويرى بعض الباحثين أن هذه الأصوات ليست من اللغة، بل هي أصوات لاعلاقة لها بصيغ أخرى مشتقة منها أوهي مشتقة منها (148) . وقد أشار سليم النعمي إلى هذا بقوله: "هيهات ليست مصدراً وليست ظرفاً وليست مفردة وليست جمعاً، بل هي صوت انفعالي يقوله العربي حين يستبعد شيئاً أو أمراً (149) . وهَلُمَّ مكونة من صوت الهاء أضيف إليه "لُمّ" (150) فعل الأمر بمعنى تعال أو مُرَّ. ويرى الخليل أنها تتركب من هاء التنييه و "لمّ" من قولهم: لَمّ الله شعثه أي: جمعه (151) .

هاء التنبيه:

إضافة إلى المعاني السابقة التي تأتي الهاء لها، أنها تستخدم للتنبيه من أجل افتتاح الكلام، ولابد من تفخيم الألف معها في هذا المقام حتى تميزها عن غيرها من الهاءات، "الهاء بفخامة الألف تنبيه وبإمالة الألف حرف هجاء، وهي تنبيه تفتتح العرب بها الكلام بلا معنى سوى الافتتاح تقول: هذا أخوك، ها إنَّ ذا أَخُوكَ" (152) .

وهي تفيد تنبيه المخاطب على ما بعدها من الأسماء المبهمة، قال ابن بعيش: "إعلم أن هذه الحروف معناها تنبيه المخاطب على ما تحدثه به، فإذا قلت: هذا عبد الله منطلقاً، فالتقدير انظر إليه منطلقاً، أو انتبه إليه منطلقاً، فأنت تنبه المخاطب لعبد الله في حال انطلاقه، فلا بد من ذكر منطلقاً لأن الفائدة به تنعقد، ولم ترد أن تعرفه إياه وهو يقدر أن يجهله" (153) فا لهاء إذاً تكون للتنبيه وفق شروط معينة، وفي إطار تحقيق الفائدة، فإن انعدمت هذه القرائن فإن الهاء لا تفيد التنبيه، وتكون صوتاً عادياً لا دلالة فيه على التنبيه كغيره من أصوات اللغة.

وقد يرى الباحث أن الهاء حتى تكون للتنبيه يجب أن يحمل نطقها صفات أو خصائص توحي بشي من التنبيه، لذا فإن نطقها لن يكون نطقاً عادياً كنطق بقية أصوات الهاء (ألوفونات allophones فونيم phoneme الهاء) . فلعل نطقها يكون مع هواء الشهيق الداخل إلى الرئتين بدلاً من هواء الزفير الخارج منهما، أي أنها لا تكون دالة على التنبيه إلا إذا كانت من تلك الأصوات التي عرفت بالأصوات الشفطية (الانفجارية الداخلية) Implosive (154) حيث أن شفط الصوت إلى الداخل يسمع المخاطب شهقة تلفت انتباهه وتشده إلى الصوت الذي سمعه وحمل معه شيئاً غير عادي. إنه يشير إلى المفاجأة والغرابة، كما يحصل عندما يرى أحدنا أو يسمع أمراً مفاجئاً يذهله فإنه يشهق بشدة شهقة تجعل من حوله يلتفتون إليه. وأكثر ما تكون تلك الشهقات من النساء. أما أن تنطق الهاء صوتاً عادياً أي خارجاً مع هواء الزفير كغيره من الأصوات فإنه لا يثير في السامع أي دهشة أو استغراب ولا يترتب عليه أي تنبيه للسامع.

وتدخل هذه الهاء- هاء التنبيه-على كثير من الكلمات العربية، فهي تدخل على أسماء الإشارة كصوت للتنبيه "وتقع في الكلام على وجهين: منضبط ومتفرق، فالمنضبط وقوعها مع أسماء الإشارة التي أصولها: ذا، وذي، وذان، وذين، وتان، وتين، وأولى مقصوراً أو ممدوداً قياساً مطرداً، ولا يلزم معها إلا إذا أريد الحضور والقرب.... وربما جاءت مع الكاف آخراً الموضوعة للمسافة المتوسطة، كقول طرفة:

رَأَيْتُ بني غَبْراءَ لا يُنْكِرونَنِي

وَلا أَهْلَ هاذاكَ الطِّرافِ المُمَدَّدِ

ولا يقاس عليه (155) .

وتقع الهاء كذلك مع "أي" في أسلوب النداء، في نداء المعرف بال، نحو: يا أيها الرجل، وقد اختلف العلماء في هذه الهاء، فمنهم من يقول إنها حرف تنبيه وأكثر استعمالها مع ضمير رفع متصل (156) . ومنهم من يعتبرها صلة للتأييه أي التصويت، وبيان ذلك قولهم: يا أَيْتُها المرأةُ. ولو لم تكن الهاء صلة ما حسن أن يجيء قبلها تاء التأنيث (157) . كما أنها تقع في باب القسم مع اسم الله خاصة، فتنوب عن حرف القسم، ويقسم بها بدلاً منه، فيقال: لا هااللهِ ما فعلت، أَيْ لا واللهِ ما فعلت، أبدلت الهاء من الواو، وقولهم: لا ها اللهِ ذا، بغير ألفٍ، أَصْلُهُ لا واللهِ هذا ما أُقْسِمُ بِهْ، ففَرقْتَ بين ها وذا، وجَعَلْتَ اسمَ اللهِ بينهما، وجررته بحرفِ التنبيه، والتقدير: لا واللهِ ما فَعَلّْتُ هذا، فحُذِفَ واخْتُصِرَ لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم، وقُدِّمَ ها كما قُدِّمَ في قولهم ها هو ذا، وهأنذا. قال زهير:

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٩٣