تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما استعملت "هـ" للتعريف في اللهجات العربية الجنوبية "السبئية والمعينية والحضرمية…." هذا ما ذكره حسن ظاظا بقوله "كذلك ظهرت أداة التعريف في العربية الجنوبية لا مثل "ال" في العربية الفصحى، ولكن بأشكال مختلفة منها "الهاء" و "هل" و "هن" (172) .

الهاء المفردة:

وقد تأتي "هاء" مفردة في بعض استعمالاتها العربية، وتعد في هذه الحالة اسم فعل أمر بمعنى خذ (173) وهاء حرف يستعمل للمناولة، ونقول: هاء وهاك مقصور فإذا جئت بكاف المخاطبة قصرت ألف "هاك"، وإذا لم تجىء بالكاف مددت فكانت المدة في "هاء" خلفا لكاف المخاطبة. ونقول للرجل: هاءَ، وللمرأة هائي، وللاثنين من الرجال والنساء: هاؤما، وللرجال هاؤم، وللنساء هاؤنّ يا نسوة، بمنزلة هاكنّ يا نسوة، ولم يجىء شيء في كلام العرب يجري مجرى كاف المخاطبة غير هذه المدة التي في وجوهها (174) . وقد تلحق "هَ" ها سكت لتصبح "هَهْ" فتدل على معان مختلفة، قال الليث: هَهْ تَذَكُّر في حال وتحذير في حال أخرى، فإذا مددتها كانت وعيداً في حال، وحكاية لضحك الضاحك في حال، نقول: ضحك فلان فقال: هاه هاه (175) . فهي قد تكون اسم فعل، للتذكر أو التحذير أو الوعيد، كما أنها قد تكون اسم صوت لحكاية الضحك، ومن هذا القبيل تأتي "هاءِ" لزجر الإبل ودعاء لها، وهو مبني على الكسر إذا مددت وقد يقصر، تقول: ها هيت بالإبل إذا دعوتها (176) .

وزعم بعض العلماء أن الهاء قد تأتي لإفادة المبالغة، وهو ما أشار إليه ابن منظور عند حديثه عن معنى الجَذعَمة فقال "الجذعمة: الصغير. وفي حديث علي: أسلم أبو بكر رضي الله عنهما، وأنا جذعمة، وأصله جذعة، والميم زائدة، أراد: وأنا جذع أي حديث السن غير مدرك، فزاد في آخره ميماً، كما زادوها في سُتْهُم العظيم الاست وزرقم الأزرق، وكما قالوا للابن ابنم، والهاء للمبالغة (177) . والهاء هنا للمبالغة كما في صيغ "علامة ونسّابة وفهّامة، وقد نسب ابن يعيش شيئاً مثل هذا إلى بعض اللغويين عند شرحه للشاهدين النحويين:

فَهَيّاكَ والأمر الذي إن توسَّعَتْ

مَوارِدُهُ ضاقَتْ عليكَ مَصادِرَهْ

وقول الآخر:

فانْصَرَفَتْ وهيَ حِصانُ مُغْضَبَةْ

ورَفَعَتْ بصَوْتِها هَيّا أبَهْ

قال أنشدها ابن السكيت وقال: أراد أيا أبه، وإنما أبدل من الهمزة هاء، ولا يبعد ما قاله، لأن أيا أكثر استعمالاً من هيا فجاز أن يعتقد أنها أصل. وقال آخرون هي يا أدخل عليها هاء التنبيه مبالغة (178) .

الخاتمة:

بعد هذا العرض لصفات صوت الهاء والأغراض التي يستخدم من أجلها يمكن أن نقول:

إن الهاء نفس خالص لذا أخذت بعض خصائص الصوامت كما أخذت بعض خصائص الصوائت، كما أنها يمكن أن نعدها ضمن الأصوات المهموسة وكذلك ضمن الأصوات المجهورة. ونتيجة لما اكتسبته من خصائص وصفات استخدمت في مواقع كثيرة، لأغراض متعددة. ونتج، عن هذه الاستخدامات تعدد الظواهر اللغوية التي ظهرت فيها الهاء.

فجاءت هاء للسكت والاستراحة والتبيين عندما تقع بعد صوت من أصوات المد واللين أو بعد إحدى الحركات لغرض التبيين والاستراحة.

كما جاءت هاء للندبة وقد تبين أن هاء السكت وهاء الندبة إنما تأتيان نتيجة حتمية لوقف الهواء المندفع من الرئتين عبر القصبة الهوائية فالفم، فعند غلق مجرى الهواء أو تضييقه ينقطع الهواء ويسمع صوت "هـ"، وهذا الصوت المسموع ربما كان ناتجاً عن حالات نفسية معينة لدى المتكلم. أما هاء التنبيه فقد تكون من الأصوات الشفطية أي أن صوتها يسمع مع الشهيق لا مع الزفير حتى تأخذ صفة التنبيه الانفعالية. ثم إن صوت الهاء من أقدم الأصوات الإنسانية لأنها عبارة عن شهقات أو آهات أو تأوهات، إنها صرخات انفعالية قد تدل على الألم والحسرة وقد تدل على الفرح والسرور، يصدرها الإنسان لا لغرض الكلام وإيصال المعنى، إنما يعبر بها عما بداخله من أفكار وما يختلج نفسه من أحاسيس. وهي موجودة في كل لغات البشر.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٩٥