وهي مبنية على الكسر، وقد تنون، تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: إيهِ بكسر الهاء. فإن وصلت نونت فقلت: إيهٍ حدثنا، وإذا قلت: إيها بالنصب فأنت تأمره بالسكوت.
وتستخدم كلمة زجر بمعنى حسبك وتنون فيقال إيهاً (139) . إلاّ أن الخليل يرى أن التي تستخدم للزجر والنهي هي المفتوحة لا المكسورة فتقول: إيهَ حَسْبُكَ يارَجُل (140) .
والتَأْيِيِهُ الصوت. وقد أَيَّهْتُ به تَأْيِيهاً: يكون بالناس والإبل، قال ابن الأثير:
أيهت بفلان تأَييهاً إذا دعوته وناديته، كأنك قلت له يا أيها الرجل، قال الشاعر:
مُحَرَّجةً حُصَّاً كأَنَّ عُيونَها
إذا أَيَّهَ القَنّاصُ بالصَّيْدِ عَضْرَسُ (141)
أمَّا وَيْهَ منصوبة فإنها تدل على الإغراء، يقال وَيْهَ فُلانُ اضْرِبْ، ومنهم من ينوّن.
قال الشاعر: وَيْهَاً يَزيدُ وَوَيْهَاً أَنْتَ يا زُفَرُ (142)
وقد تعددت الصور التي ظهر فيها صوت الهاء حسب ما أضيف إليه من أصوات المدّ، واستخدم استخدامات متعددة، ودلّ على معان كثيرة. فقد جاء الياء والألف قبله فحمل معنى النداء، فإذا دعوت شخصاً أو ناديته، قلت: ياه ياه. واشتق من هذا اللفظ أفعالاً نقول: يَهْيَهْتُ، وأُيَهْيِهُ، قال الخليل: وكذلك ياه: تقول: يَهْيَهْتُ بالإبل إذا قلت: ياه ياه. ويقول الرجل لصاحبه من بعيد " ياهْ ياهْ أَقْبِلْ. قال ذو الرمة:
تلَوّم يَهْياهٍ بياهٍ وقَدْ مَضَى
من اللّيلِ جَوْزٌ واسْبَطرَّتْ كواكِبُهْ (143)
ومثل صيغة النداء هذه لا تزال تستخدم في عدد من اللهجات العربية المعاصرة، فإذا أراد شخص أن ينادي آخر فإنه يقول: "ياه"، وأكثر مايكون هذا الأسلوب من النداء إذا كان المنادى غير معروف للمنادي. وقد يستخدم هذا اللفظ "ياه" بتنغيم خاص للدلالة على التعجب والدهشة أو الاستغراب. ويمكن القول أن الأصل في هذه الصيغة هو حرف النداء "يا" زيدت عليه هاء السكت، أو أنه حرف "يا" خرجت معه أثناء نطقه كمّية أكبر من الهواء اللازم لنطقه فاندفع من الفم فسمع هاء. كما يمكن القول أن حرف النداء "هيا" قد نتج بسبب تقديم الهاء على صوتيّ المدّ "الياء والإلف". كما يحتمل أن يكون الهاء قد أبدل من الهمزة في "أيا" قال الحطيئة:
وقَالَ هَيا رَبَّاهُ ضَيْفُ ولاقِرىً
بِحَقِّكَ لاتُحْرِمُهُ تالليلةِ اللَّحما (144)
وقد تظهر "هيا" في لهجاتنا المعاصرة "هِيّْ" وتفيد معنى التهديد والزجر.
وتكون الهاء جواباً للنداء وتلبية له بالمد والقصر، فالعرب تقول: ها، إذا أجابوا داعياً، يصلون الهاء بألف المد تطويلاً للصوت، قال الشاعر:
لا، بَلْ يُجِيبُكَ حينَ تَدْعو باسمِهِ
فيقولُ: هاءَ، ولطالَما لَبَّى (145)
ولا نزال نسمع مثل هذه الصيغة من الإجابة في لهجاتنا، فعند إجابة من ينادي نقول: "ها" أو "أيوه". وقد تستخدم "ها" في الاستفهام وعند طلب التعيين، فيقول الشخص السامع أأنت فعلت هذا؟ ها؟ وكأنه أضاف "ها" حثاً على الإجابة إلى جانب ما قد تحمله من معنى الوعيد.
هكذا ندرك أن صوت الهاء أكثر الأصوات استخداماً في هذه الصيحات الانفعالية، من أجل التعبير عن حاجة نفسية معينة. ولعل السبب في كثرة استخدامه هذه أنه أسهل الأصوات نطقاً وأقلها حاجة إلى جهد أعضاء النطق. على أن هذا لاينفي ورود شواهد كثيرة استعملت فيها مثل هذه الصيحات المشتملة على صوت الهاء بصورة عفوية دالة على الألم أو الحزن أو الغضب أو غير ذلك. فمن ذلك ما روي عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قوله "أوْهِ عَيْنُ الرَّبا … وقد تفتح الواو مع التشديد كقوله عليه الصلاة والسلام "أَوَّهِ لفِراخِ مُحَمَّدٍ من خَليفةٍ يُسْتَخْلَفُ (146) ". ومثل ذلك ما قاله حنظلة الكاتب: " كّنا غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرأى امرأةً مَقْتولَةً فقال: هَاهْ ما كانَتْ هذه تُقاتِلُ. الحقْ خالداً فَقُلْ له لا تَقْتُلَنَّ ذريةً ولا عسيفاً (147) ".