تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونظراً لأهمية صوت الهاء في إنتاج الصيحات أو الصرخات الانفعالية ودوره الواضح في تكوينها ظهر في اسم إحدى نظريات نشأة اللغة وهي نظرية Pooh Pooh كما ظهر هذا الصوت واضحاً في أسماء تلك الصيحات والصرخات فهي إما شهقات أو آهات أو تأوهات. ويظهر صوت الهاء محوراً لهذه الانفعالات فكلها لاتخلو منه. وهي لا تبتعد عن كونها زفرات خارجة من الفم دون عناء. فعند التوجع أو التألم أو التأوّه نقول "آه" وهو صوت اندفاع للهواء خارج الفم. وقد اشتق منه العرب أفعالاً ومصادر وأسماء أفعال وأسماء أصوات، فقالوا: "آه يأوه أوها" أي: شكا وتوجع، وهكذا "تأوه أوها"، وقد دعوا داء الحصبة "آهة" والجدري "مآهة" وكل ذلك لتناسب في المعنى واللفظ … فإنهم بتسميتهم الحصبة "آهة" كأنهم يشخصون ما يرافق ذلك الداء من تأوه المرض (129) . وهذا ما أشار أليه الخليل بقوله: "آه: حكاية المتأوه في صوته، وقد يفعله الإنسان من التوجع. قال المثقّب العبدي:

إذا ماقُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلِ

تَأَوَّهَ آهةَ الرجلِ الحزينِ

وأَوَّهَ فلان وأهَّهَ، إذا توجع فقال: آه. أو قال: هاه عند التوجع فأخرج نفسه بهذا الصوت ليتفرج عنه به (130) .

.. وقد ارتقت هذه الشهقات والآهات، أو الصيحات الانفعالية التلقائية عند الأمم تدريجياً، أو سارت في سبيل الرقي شيئاً فشيئاً تبعاً للارتقاء العقلي والتطور الفكري عند الإنسان، ومن ثم ابتعدت عن العفوية والتلقائية واستعملت بصور مهذبة منظمة بعيدة عن الانفعال العفوي الذي كان سبباً لوجودها عند الإنسان الأول. يؤكد ذلك أنها بدأت تستعمل في الكلام المفهوم المحتوي على معان محددة واضحة، إضافة إلى استخدامها في بليغ القول وفصيحه، في الشعر الذي يحتاج إلى كثير من الدقة والتروي وحسن الصنعة كي يسير على القواعد المرعية والأسس المتبعة من حيث الوزن القافية والروي وكل الخصائص الخاصة بالشعر، وهذا التفنن في نظم الشعر يتنافى مع العفوية ويتناقض مع الانفعالات التلقائية التي هي عبارة عن صيحات مختلفة ذات دلالات محددة. قال الشاعر:

فَأوهِ لِذْكراها إذا ماذَكَرْتُها

ومن بُعْدِ أَرضٍ بيننا وسماء (131)

فأوهِ وما شابهها من ألفاظ: أَوَّهْ، وأَوّهُ، وآووه، وأوْهِ، وأوْهَ، وآهِ كلها كلمة واحدة معناها التحزن، وأَوْهِ من فلان إذا اشتد عليك فقده (132) . فكل هذه الآهات والتأوهات أسماء أفعال تدل على معنى الحزن والحسرة، كما تدل على معنى اللهفة والحرقة والاشتياق. قال الخليل: وواه تلهف وتلدد، وينون أيضاً كقول أبي النجم:

واهاً لرّيا ثم واها واها (133) . إنها صرخات تصدر عن شخص يمزقه البعد والحرمان، يصرخ بها معبراً عما به من لهفة ولوعة. إنها وسيلة يلجأ إليه المتألم من حزن ألمّ به، والمتوجع من كآبة أصابته فإذا شعر بهذا الحزن وتلك الكآبة صاح قائلاً آه، وها. فهذه الأصوات علامة على ما يشعر به ويعاني منه، فهي أسماء أفعال بمعنى أتوجع، ومن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:

لا، بل يَمُلّك عند عَوْدَتِهِ

فيقول هاه وطالما لبىّ (134)

قال الأزهري: آه حكاية المتأهِّه في صوته، وقد يفعله الإنسان شفقة وجزعاً

كقول الشاعر:

آهِ مِنْ تَيَّاكِ آهَا

تَرَكَتْ قَلْبي مُتاها (135)

وغير بعيد عنا من الأمثلة قول محمود درويش: (136)

آهِ ياجُرحي المكابرْ

وطني ليس حَقيبةْ

وأنا لستُ مسافرُ

إنني العاشقُ والأرضُ حبيبةْ

وقد استخدم المصدر من هذه الكلمات للدلالة على المعنى نفسه، قال العجاج:

وإن تَشَكَّيْتُ أَذَى القَرَوحِ

بأَهَّةٍ كأَهَّةِ المَجْرُوحِ (137)

وقد استخدمت الهاء مسبوقة بالهمزة والياء "إيه" بمعنى الاستزادة والاستنطاق، كما في قول ذي الرُّمَّة:

وَقَفْنا فَقُلْنا: إيهِ عن أُمَّ سِالمٍ

وما بالُ تَكْليمِ الدَّيارِ البَلاقِعِ (138)

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٩١