تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالهاء في قول لبيد:

عفت الديارُ مَحَلُها فمقامُها

بمنى تَأَبَّد غَوْلُها فرجامُها

ليست روياً، "فالروي هو الميم، والهاء بعد الميم هي الصلة لأنها اتصلت بالروي والألف بعدها الخُرج" (122) كما أن الهاء في قصيدة إبراهيم طوقان السابق ذكرها صفحة 10 ليست حرف روي، بل النون قبلها.

وليست الهاء في قول شوقي:

قِفْ بطوكيو وطُفْ على يُكاهامَهْ

وسَلْ القَرْيَتَينِ كَيْفَ القيامَهْ

دَنَتْ الساعةُ التي أُنذرَ النا

سُ وحلَّت أشراطُها والعلامَهْ

قِفْ تَأَمَّلْ مصارعَ القومِ وانظرْ

هل ترى من ديارِ عادٍ دَعامَهْ

خُسِفَتْ بالمساكِنِ الأرضُ خَسفاً

وطوى أَهْلُها بِساطَ الإقامَهْ (123)

حرف روي، ولكنها للتأنيث بعد الوقف عليها. وحرف الروي هنا هو الميم لكن ما سبب عدم كون الهاء في هذه المواقع وأمثالها روياً؟ وما سبب اشتراط شرطين هما: أن تكون الهاء أصلاً من أصول الكلمة، وأن تكون مسبوقة بحرف مدّ حتى تكون الهاء رويا؟ السرّ في ذلك أنها قد تقع لاحقة للكلمة، ولا تكوّن منها أصلاً من أصول الكلمة وأساس الروي والشعور بموسيقاه مبني على كونه جزءاً من بنية الكلمة، فاللواحق وإن اتصلت بالكلمات نشعر بانفصالها عنها واستقلالها (124) .

أضف إلى ذلك أن الهاء صوت مهموس، والمهموس ما ضعف الاعتماد عليه، أي الضغط عليه، والشعر بموسيقاه معتمد على القافية، والروي الذي هو في الشعر بمثابة الإيقاع في الموسيقى يجب أن تشعر به الأذن، فإن كان ضعيفاً غير مشبع – مهموساً – كان الحرف السابق عليه هو حرف الروي حتى يشعر السامع بالموسيقى الشعرية ووضوح الإيقاع.

لكن إذا كان صوت الهاء لا يصلح أن يكون روياً بغير الشرطين السابقين، فلماذا يكون روياً إذا كان أصلاً من أصول الكلمة؟ يصلح لذلك لأنه إذا كان أصلاً فإننا لا نستطيع تجاهله أو الاستغناء عنه، فهو في هذه الحالة كأي صوت مهموس آخر. إما إذا كان غير ذلك فيمكننا الاستغناء عنه بالحرف السابق له ليكون روياً.

وقد تذكر الهاء في الشعر لاطلاق القوافي المقيدة لأنها أقرب الأصوات إلى حروف المدّ التي تأتي في نهايات القوافي المطلقة. فقد ذكر المالقي المواضع التي تأتي إليها الهاء وهي أصل فقال: أن تكون للإطلاق في القوافي كما تكون الألف لذلك، لأنها تُسرِّحُ القافية إلى الحركة من التقييد وهو السكون كما تفعل الألف وذلك نحو قول الشاعر:

اكْسُ بُنَياَّتِي وأُمَّهُنَّهْ

أُقْسِمُ باللهِ لَتَفْعَلَنَّهْ

وقوله:

وقائلةِ: أَسِيتَ فَقُلْتُ جَيرٍ

أَسِيٌّ إِنَّني مِنْ ذَاكَ إنَّهْ (125)

الهاء صوت انفعالي:

ومن الخصائص الصوتية للهاء أنها صوت أساسي من ضمن الأصوات التي تعرف بالأصوات الانفعالية Interjections، التي هي عبارة عن أصوات قصيرة تعبّر عن التوجع والدهشة أو الألم أو ما إليها من الوجدانات العابرة، وهي شائعة في جميع اللغات قيل: آه، وي، أواه، ها، هيا، واه، واه، أوه (126) ، هذه الصرخات الانفعالية والصيحات الفطرية التي استخدمها الإنسان في بداية حياته، وشاعت في لغته كانت سبباً جعل بعض العلماء المحدثين يرون أنها الأساس الأول الذي استمدت منه اللغة الإنسانية نشأتها.

... وقد جاء صوت الهاء من أكثر الأصوات شيوعاً بين الأصوات الانفعالية، لأنه من أسهل الأصوات نطقاً لأن "الهاء نفس (127) " يحدث بواسطة الزفير الاعتيادي دون أن يستعمل الإنسان في نطقه أيّاً من اللسان أو الأسنان أو الشفتين، إنه هواء الزفير الخارج من الفم دون أي جهد، لذا يمكن القول أن هذا الصوت هو أساس الصيحات الانفعالية التي يصدرها الإنسان البدائي تلقائياً دون أدنى جهد أو تفكير.

ويوضح إبراهيم أنيس هذا الأمر عند تفسيره لنشأة اللغة من خلال هذه الصيحات الانفعالية فيقول: "وكذلك الحال حين يدهش المرء أو يفزع، يميل عادة إلى فغر فمه كما لو كان يتنفس بعمق، فإذا زفر هذا الهواء الذي تنفسه حين فغرفاه وجدنا الفم يميل إلى الاستدارة قليلاً، ومثل هذا الوضع للشفتين يولد لنا صوت اللين المسمى بالضمة، وهي حين تطول قد يتصل بها صوت يشبه الهاء. ويترتب على هذا أن تنشأ تأوهات مثل oh، وهو الصوت الذي نسمعه عادة من جمهور المتفرجين حين يفاجأون بمنظر بالغ الدهشة أما في حالة الألم فتتقلص أعضاء الجسم كلها بما في ذلك الوجه، مما يترتب عليه أن الشفتين تأخذان الوضع المناسب لصوت اللين "a " أي الفتحة، ويؤدي هذا إلى صوت مثل ah أو ach" (128) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٩٠