تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتبدل همزة الاستفهام هاء، فيقولون: هزيد منطلق؟ أي: أزيد منطلق؟

قال الشاعر:

وأَتى صَواحِبُها فَقُلنَ: هَذا الذي

مَنَحَ المودةَ غيرَنا وجفانَا

يريد أذا الذي؟ (101)

ونسب الأزهري هذا النوع من الإبدال إلى الحجازيين، فذكر أنهم يقولون: ها إنك زيد، ومعناه أَإنّك زيد، في الاستفهام (102) .

... والذي سوغ هذا الإبدال هو قرب مخرج الهاء من مخرج الهمزة، فكلاهما صوت حنجري إلاّ أنه عند نطق الهمزة ينطبق الوتران الصوتيان انطباقاً تاماً فلا يسمع للهواء بالنفاذ من الحنجرة بضغط الهواء فيما دون الحنجرة، ثم ينفرج الوتران فينفذ الهواء من بينهما فجأة محدثاً صوتاً انفجارياً (103) .

... وتبدل الألف هاء في الوقف، كقول الراجز:

قد وَرَدَتْ مِنْ أَمْكِنَهْ ... ... مِنْ ههَنا ومِنْ هُنَهْ

إن لمْ أُرَوِّها فَمَهْ

أي: من هنا. ومن ذلك أيضاً قولهم في الوقف على " أَنَ فعلتُ" أنا وأَنَهْ فالوجه أن تكون الهاء في "أَنَهْ" بدلاً من الألف في أنا (104) .

... وتبدل الياء هاء وذلك في قولهم "هذي هند": هذه، فالهاء في "هذه" بدل من ياء هذي (105) . وقال سيبويه: "إن دَهَديت هي فيما زعم الخليل بمنزلة دحرجت، ولكنه أبدل الياء من الهاء لشبهها بها، وأنها في الخفاء والخفة مثلها، فأبدلت كما أبدلت من الياء في "هذه" (106) ". ومن ذلك أيضاً إبدال ياء هنيّة هاء لتصبح هنيهة (107) .

كما تبدل الهاء عن الواو وكما في قول امرىء القيس:

وقد رابني قولها ياهنا

هـ ويحك ألحقت شراً بشر

فالهاء الآخرة في "هناه" بدل من الواو في هنوك وهنوات. وكان أصله "هناو" فأبدلت الواو هاء، فقالوا: هَناه (108) . ولعل الذي سوغ مثل هذه الإبدالات هو "أن الهاء أقرب المخارج إلى الألف وهي شبيهة بها (109) ". و "لأن الياء أقرب الحروف شبهاً بالهاء، ألآترى أن الياء مَّدة والهاء نفس، ومن هنالك صار مجرى الياء والواو والألف والهاء في روي الشعر واحد (110) ".

وتبدل الحاء هاء في مثل: كدحه وكدهه، وقحل جلده. وقهل: إذا يبس، والجَلَح والجَلَه: انحسار الشعر عن مقدمة الرأس، وحبش وهبش: أي جمع، وحقحق في السير وهقهق: إذا سار متعباً، وبُحْتُر وبُهْترُ: القصير… (111) .

وسوغ هذا النوع من الإبدال أن الحاء والهاء تتقاربان في المخارج، فالحاء صوت صامت مهموس حلقي احتكاكي، يحدث احتكاكه في الفراغ الحلقي أعلى الحنجرة إذ يضيق المجرى الهوائي في هذا الموضع (112) .

وتبدل التاء هاء في الوقف، في نحو جوزة في الوصل جوزه في الوقف. وحكي قطرب عن طيىء أنهم يقولون: كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة والأخواه. فأما التابوه فلغة في التابوت. ووقف بعضهم على اللات بالهاء فقال: اللاهْ (113) .

وذكر السيوطي أن الخاء تبدل من الهاء مثل: اطرَخَمَّ واطرَهَمَّ، إذا كان طويلاً مشرفاً، وبخ بخ به به إذا تعجب من الشيء، وصخدته الشمس وصهدته إذا اشتد وقعها عليه (114) .

وذكر ابن السكيت إبدال الباء من الهاء في البشاشة والهشاشة (115) . وهذه الأنواع من الإبدال وقعت بين أصوات متباعدة المخارج، لأن الإبدال يقع بين الأصوات المتقاربة في الحّيز والمخرج، وبين المتباعدة أيضاً، والأول هو الأغلب حدوثاً (116) . ومع التسليم بأن الإبدال قد يقع بين الأصوات المتباعدة في المخارج إلاّ أنه نادر جداً، وهذا ما ذكره ابن الصائغ بقوله: "قلّما تجد حرفاً إلاّ وقد جاء فيه البدل ولو نادراً (117) ".

متى تكون الهاء حرف روي:

ومما يتصل بدراسة الهاء صوتياً أنها لا تستعمل حرف روي إلاّ إذا كانت أصلا من أصول الكلمة الأخيرة في بيت الشعر، أو كان قبلها ساكن (118) . وقيد الساكن هنا غير دقيق كما يرى إبراهيم أنيس الذي يقول: "أن الهاء في لم يعلمه ولم يعرضه وأمثالها ليست حرف روي، فرغم أنه قد سكن ما قبل الهاء في هاتين العبارتين، لانكاد نحس فيهما بموسيقى القافية، فليس يكفي سكون ما قبل الهاء لجعلها رويّاً (119) ". ويرى أنه من الواجب أن ينصوا بوضوح على أن الهاء لا تحسن في الروي إلاّ إذا سبقها حرف مَدٍّ مثل لا يرعاه، ولاينساه (120) ". كما أن الهاء التي للتبيين الحركة لاتعُدّ من حروف الروي نحو: اقضه وارمه، وكذلك الهاء التي للتأنيث نحو: طلحه وحمزه، ولاهاء الإضمار نحو ضربته وضربتها (121) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٨٩