أما إذا كان الباحث لا يؤمن بهذه المعاني أو تنقصه المعرفة الشرعية فإن الغالب أن لا تكون نتائج دراساته صحيحة وإن أتقن طرائق المنهجية المعاصرة, مثل أسلوب التحليل النفسي, والتحليل الاجتماعي, وبيان أثر البيئة. لأن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفاته ليست نابعة من هذه المنابع, إنما هو عليه الصلاة والسلام مرسل من الله, ويبلغ ما أوحي إليه, ولذا فإنه لا بد في دراسة السيرة النبوية من ملاحظة أثر الوحي والنبوة في تصرفاته صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالتعبد وإبلاغ الوحي, ولا بد أيضا من فهم مقاصد الشريعة وغاياتها حتى يكون تفسير أحداث السيرة وتحليلها وفقا لنصوص الوحي ومقاصد الشريعة.
ولهذا لا نستغرب أن نجد في الدراسات المعاصرة عن السيرة النبوية أثر الاتجاهات الفكرية السائدة, فالقوميون العرب يفسرون حوادث السيرة حسب الفكر القومي عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ هو في نظرهم زعيم قومي وَحّد العرب لأول مرة في التاريخ تحت لواء دولة واحدة جامعة ومستقلة. والاشتراكيون يفسرون حوادث السيرة تفسيراً يخدم منهجهم وفكرهم, والشيوعيون يفسرون الغزوات النبوية تفسيرا اقتصاديا حسب نظرتهم للتاريخ البشري وأن الصراع فيه هو على الموارد الاقتصادية ولأجلها, وكذا العلمانيون يفرقون بين شخصية النبي صلى الله عليه وسلم القائد والحاكم وبين شخصيته نبيٌ وزعيم ديني, ففي الأول يتصرف بكونه حاكما من غير النظر إلى النبوة والدين لأنهم يفصلون بين الدين والحياة. وهكذا تسير كل فرقة في دراساتها عن السيرة النبوية حسب منهجها الفكري, ولذا فإن على الباحث والقاريء المسلم الحذر من مثل هذه المؤلفات, ومعرفة اتجاهات الباحثين والكتاب حتى لا ينخدع بإحسان بعضهم لطرائق التحليل المنهجي للنصوص, والذي يستخدم وسيلة لتسويغ الفكر المنحرف وتسويقه.
ولكن ليست هذه هي الصورة الوحيدة في الدراسات المعاصرة عن السيرة النبوية, وإنما توجد ولله الحمد دراسات جادة ونافعة, جمعت بين أسلوب التحليل للنصوص, وأسلوب القدامى من العلماء في حشد النصوص وتصحيحها والاستدلال بها, مع امتلاك القدرة العلمية والمرجعية الشرعية التي تلاحظ أثر النبوة والوحي, وتدرك مقاصد الشريعة وخلودها وتفردها بالمنهج المصلح للحياة البشرية وأنه لا منهج غيره يصلح لإنقاذ البشرية وإيصالها إلى نيل رضا الله والفوز بجناته.
فعلى سبيل المثال أنجز في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة, وجامعة أم القرى بمكة المكرمة, وجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عدد وفير من الرسائل الجامعية – ماجستير ودكتوراه – التي استوفت دراسة المغازي والسرايا النبوية دراسة توثيقية ونقدية للنصوص والروايات مع الدراسة التحليلية لاستنباط الدروس والأحكام والعبر التربوية.
كما أنجز في مواقع أخرى من الجامعات العربية والإسلامية دراسات في السيرة النبوية لها نصيب وافر من العلم الشرعي والأهداف التربوية, ومثل هذه الدراسات والأبحاث العلمية نحن بحاجة إلى تنميتها ونشرها بين طلاب العلم, بل والعامة من المسلمين ليستفاد منها, فإن السيرة النبوية مصدرٌ مهم في معرفة وسائل الدعوة ومناهجها, وما يقع في بعض الدراسات من نقص أو اجتهادات خاطئة لا ينبغي أن تكون مانعة من الاستفادة منها ما لم يكن صاحب الدراسة متعمداً مخالفة منهج السلف الصالح وراغباً عن طريقتهم.
المسألة الثانية: التأصيل الشرعي لمن يشتغل بعلوم السيرة النبوية
المشتغل بعلوم السيرة النبوية لا بد له من دراسة الشريعة من مصادرها حتى يفهم حقيقة الإسلام, ومنهجه الكامل, وفقه أحكامه, ودراسة منهج الاستدلال عند علماء الشريعة, كما يجب عليه الالتزام بمصطلحاته الشرعية, وفقه لغته التي نزل بها القرآن, والاعتقاد بأنه الدين الحق والمنهج الخالد الذي له الحاكمية والهيمنة على الأديان كلها.