تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن لا يفهم حقيقة الإسلام وشموليته لكافة مناحي الحياة وأنشطتها السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية, تكون أغلب تفسيراته وتحليلاته خاطئة ومخالفة لكثير من قواعد الشريعة وأحكامها, والقاعدة المنطقية تقرر أن الحكم على الشىء فرع عن تصوره. فلا بد من تصور حقيقة الإسلام من مصادره تصورا صحيحا وإلا وقع الباحث في خلط وقرر نتائج غير صحيحة.

ومما ينبغي الالتزام به المصطلحات الشرعية, فإنها التي يتعلق بها الثواب والعقاب, والمدح والذم مثل: مؤمن, مسلم, منافق, كافر, أولياء الرحمن, أولياء الشيطان. فالواجب الالتزام بالتسميات الشرعية, ولا يعدل عنها في تقسيم الناس والدول إلى تقدمي ورجعي, ويميني ويساري, ووسط, ودول متقدمة, ودول متأخرة أو نامية, فإن هذا خلط يسبب التضليل وتمييع الأحكام الشرعية التي تستلزم المحبة والبغض, والولاء والبراء, وتترتب عليها الآثار الشرعية والمواقف الصحيحة, أما المصطلحات غير الشرعية فلا يترتب عليها مجردة مدح أو ذم في الشرع, وهذه المصطلحات وافدة من بيئة غير البيئة الإسلامية ومن ثقافة أمم غير الأمة الإسلامية, فلا يمكن تطبيقها أو استخدامها في التاريخ والحضارة الإسلامية لاختلاف المنشأ الفكري والبيئة والتراث الثقافي, فالتقدمي في عرفهم أفضل من الرجعي, وكذا اليساري بالنسبة لليميني, أما في الشريعة الإسلامية فإنه لا ينظر إلى مجرد المصطلح والوصف الذي يطلق, وإنما ينظر إلى موقف من يوصف بذلك المصطلح من الشرع والتزامه بذلك أو عدمه, فربما يكون الرجعي الذي هو وصف ذم عندهم أفضل وأتقى عند الله لتمسكه بالشرع المطهر, فيكون ممدوحاً, وإطلاق مثل هذا المصطلح يكون من باب التنابز بالألقاب المنهي عنه شرعاً.

المسألة الثالثة: تفسير أحداث السيرة النبوية

إن تفسير أحداث السيرة النبوية واستخلاص فوائدها هو ثمرة دراستها ومقصدها الأسمى, وهذه السيرة هي سيرة نبي ورسول اختاره الله واصطفاه, والله أعلم حيث يجعل رسالته, وقد كَمّله بالوحي الذي هو الميزة العظمى والخصيصة الكبرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذا فإنه عند تفسير حوادث السيرة النبوية لا بد من ملاحظة أثر الوحي في تصرفاته ومواقفه صلى الله عليه وسلم. وإن تفسير حوادث السيرة النبوية من غير امتلاك للأدوات والوسائل الشرعية التي تمكن من ذلك يحمل كثيرا من المخاطر والمحاذير, لأن تفسير الحوادث يخضع في الغالب للفلسفة الفكرية والاتجاهات العقدية عند الدارسين, والتجرد من هذه النوازع غير ممكن لتحكمها في فكر المرء وقياده.

والإنسان لا ينفك عن تصوره واعتقاده إلا إذا ترك الاعتقاد ونبذه, وتفسير حوادث التاريخ – والسيرة جزء منه - يخضع للتصور الاعتقادي والفكري, فإذا كان الباحث يحمل تصورا اعتقاديا صحيحا, كانت نتائج دراسته صورة لفكره وفلسفته في الحياة, وهذا الأمر يستلزم منا معرفة اتجاهات الباحثين والمؤلفين لنعرف مشاربهم الفكرية ومآخذهم الاعتقادية, وسنجد أن دراساتهم وأبحاثهم صورة لأفكارهم وعقائدهم, وبهذا الميزان نرفض نتائج أبحاث الأوربيين والمستشرقين عن السيرة النبوية, لأنهم ليسوا أهلا أن يحمل عنهم العلم عن سيرة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ما داموا يكفرون به ولا يؤمنون بنبوته ورسالته إلا على وجه غير صحيح, وكذا الدراسات المتأثرة بأفكارهم والمعتمدة عليها يجب رفضها حتى ولو كان الباحث مسلما. فقد رفض علماء الحديث النبوي الرواية عن من اشتهر بالأخذ عن أهل الكتاب ورواية الإسرائيليات, وهؤلاء أولى بالرفض, لأنهم بتحليلهم لأحداث السيرة المتأثرة بعقائد وأفكار المستشرقين ينقلون لنا انحرافاتهم مسوغة باستنتاجات من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ويحرفون فيها القول عن مواضعه, ويحاكمون نصوص الوحي محاكمة عقلية غير مهتدية, والعقل وحده لا يستقل بفهم نصوص الوحي, وخاصة في أمور الغيب مثل الحديث عن الجنة والنار والبعث والنشور, والملائكة والجن, والمعجزات ودلائل النبوة, ومما ينبغي التنبه له في تفسير أحداث السيرة النبوية أن لا نجعل الواقع الذي نعيشه مقياسا, ونحاول أن نؤول نصوص السيرة ووقائعها لتوافقه, فنسوغ للواقع الذي نعيشه ونجعله الأصل حتى لو كان فيه انحرافا, ونستدل له من السيرة النبوية, وهذا الأمر يحدث نتيجة لروح الانهزام أمام العدو والحضارة المعاصرة المسيطرة والانبهار بمنجزاتها المادية, كما يحدث لضعف الإيمان بخلود الرسالة المحمدية واستمرارها وعلوها وظهورها على جميع الملل والأديان.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٤٧