تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 المؤلفات بعد عصر الرواية والإسناد:

من بداية القرن الخامس الهجري تقريبا توقفت الرواية والتحديث في السنة والسيرة النبوية بالإسناد حيث صارت المؤلفات تغفل الإسناد, ويرجع المصنفون إلى الكتب والمؤلفات بدلا من التلقي المباشر من الرواة والشيوخ, وصار الإسناد إلى الكتب والإجازه (6) بها وتحمل روايتها بهذا الطريق , أو بطريق الوجادة (7) , وظهرت في تلك الفترة مؤلفات في السيرة النبوية تغفل الإسناد, وإذا وجد الإسناد فهو إلى المصنفات الأولى في عصر الرواية, وهذا النوع من المصادر ينظر إليها بحسب اتجاهات مصنفيها الفكرية والعقدية, وكذا بحسب مناهجهم في التصنيف, من حيث اشتراط الصحة فيما يذكرون أو عدم اشتراطها, وهؤلاء تسُبر طريقتهم بواسطة المقارنة والنقد الباطني للنصوص , أما إذا أسندوا فينقد الإسناد حتى يميز الصحيح من غيره.

والمصادر في هذا القسم أنواع:

منها: مصادر كتبها علماء ثقات من أهل السنة والجماعة وعلى طريقة السلف في الاعتقاد, ومنهج التلقي والاستدلال, من أمثال, ابن عبد البر (ت 463هـ) , وابن الجوزي (ت 597هـ) , والنووي (ت 676هـ) , وابن تيمية (ت 728هـ) , والذهبي (ت 742هـ) , وابن القيم (ت 751هـ) , وابن كثير (ت 774هـ) , وابن حجر (ت 852هـ) , وابن عبد الوهاب (ت 1206هـ) , فهذه مصادر يعتمد عليها ويهتم بدراستها مع ملاحظة اجتناب ما قد يقع فيه بعضهم من خطأ إذ لا عصمة لأحد من الخطأ, فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونوع من المصادر كتبها علماء يغلب عليهم أو تنزعهم اتجاهات ونزعات فكرية مخالفة لطريقة السلف الصالح أهل السنة والجماعة, (اتجاه معتزلي , أو شيعي, أو صوفي ... إلخ) وتلك المصنفات لا تخلو من التأويل الفاسد, أو الأخبار الضعيفة, أو المكذوبة , وكذا الحكايات, والمنامات, والرؤى, وادعاء حالات وصور وأخبار عن السيرة النبوية يكون مؤداها ومآلها إخراج شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته عن مجال الاقتداء والتأسي به, حيث تضفي تلك الأخبار المزعومة, والحكايات والمنامات, على السيرة النبوية وصاحبها عليه الصلاة والسلام هالة من المبالغة والتبجيل الكاذب مما يخرجها عن قدرة البشر وطاقتهم فلا يستطيعون التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم عمليا, مما يجعل حظهم منه صلى الله عليه وسلم مجرد إعجاب , وانبهار, ومثاليه, وإشباع روحي, غير قابل للمتابعة والتطبيق الواقعي, وأكثر ما يبرز هذا في الفكر الشيعي؛ والفكر الصوفي اللذان يعتمدان شخصيات بديلة عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم, ويزعمون لأتباعهم أن لها خصوصية ولديها القدرة على التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم لما لها من الوسائل والخصائص المميزة, مثل الأئمة عند الشيعة, والسادة والأولياء عند الصوفية, أما الأتباع فدورهم التبرك بهؤلاء الوسطاء والاعتقاد فيهم ومتابعتهم من غير سؤال عن دليل أو برهان, وهذا غاية في الضلال والإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وحرمان للأمة من الاقتداء والتأسي به كما أمرهم الله سبحانه وتعالى. ولذا فإنه ينبغي تجنب تلك المصادر والمراجع خاصة من قبل الدارسين المبتدئين, أما الباحث المتخصص فإنه يستطيع الاستفادة منها في الجوانب التي أحسنوا فيها, ويحذر المزالق والأخطاء التي وقعوا فيها.

3 الدراسات المعاصرة عن السيرة النبوية:

هذا العصر يموج بكثير من الأفكار والاتجاهات المختلفة, وقد تأثر بعضه ببعض بسبب تيسير نقل المعلومات وسهولتها وسرعة الاتصالات, وتقدم الوسائل الإعلامية حتى صار العالم يوصف بأنه قرية واحدة.

والدراسات عن السيرة النبوية في هذا العصر كثيرة, وعلى مستويات مختلفة, ومن اتجاهات فكرية كثيرة, مثل القومية, والاشتراكية, والشيوعية, والعقلانية, والعلمانية, ويغلب على كثير منها استخدام أسلوب التحليل للنصوص, وهو أسلوب ناجح ومفيد في دراسة السيرة النبوية إذا كان المؤلف أو الباحث يملك المرجعية الشرعية, فيفهم حقيقة الإسلام ومنهجه الكامل, وفقه اللغة التي نزل بها القرآن, مع الاعتقاد بأنه الدين الحق والمنهج الخالد الذي لا يقبل الله من أحد سواه, ولا يصلح لهذا العالم غيره, وأن له الحاكمية والهيمنة على الأديان كلها, وهو شامل في أحكامه لكافة مناحي الحياة وأنشطتها السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٤٥