... وأسأل الله العلي القدير أن ينفع بها الباحث والسادة القراء. والحمد لله رب العالمين.
***
المسألة الأولى: المصادر التي تُستقى منها أخبار السيرة النبوية ووقائعها
هذه المسألة مهمة في منهج دراسة السيرة النبوية, لأن تحرير المصادر الموثوقة والرجوع إليها مما يساعد على الفهم الصحيح للسيرة النبوية, بخلاف من تأسره المصادر المنحرفة, التي كتبتها نوابت الضلال والانحراف من أهل الأهواء والبدع ليؤيدوا ضلالهم وانحرافهم, والحديث هنا ليس عن مصادر السيرة النبوية من حيث أنواعها وترتيبها التاريخي (1) , إنما هو عن مصادر السيرة من حيث التوثيق, ومن حيث الاتجاهات الفكرية للمصنفين, والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
1 مصادر أصلية وموثوقة وهي:
أالقرآن الكريم, وهو رأس المصادر وأساسها, وثبوته بالتواتر القطعي أمر مسلٍّم لا مرية فيه, وحديثه عن السيرة كثير (2) , وعرضه منوع, ومنهجه في عرض الأحداث والوقائع يتميز بالشمول في تحليل الحدث ومعالجته, ويلاحظ الأهداف والغايات, ويركز على الآثار والنتائج, وينتزع الصورة الموحية من الحدث ثم يبرزها, غير ملتزم بتسلسل الحدث في سياقه التاريخي, لأن القرآن الكريم كتاب هداية وتربية وأحكام, لا كتاب تاريخ, فهو يهتم بالقيم والأخلاق. ومن مميزات النص القرآني وخصائصه:
عرض المشاعر والخواطر وما يجول في النفوس حتى يجعلها مكشوفة كأنها رأى العين.
بيان العواقب والمآلات للوقائع (3) , وذلك لأنه صادر من العليم الخبير, والسميع البصير, والحكيم القدير, الذي أحاط بكل شيء علما.
فالنص القرآني يتميز بالصدق من جهتين:
الأولى: جهة النقل والثبوت.
الثانية: من حيث الوصف للواقعة التاريخية.
فإنه يصف الصورة الظاهرة للحدث كما يصف الصورة الباطنة له, ويوضح أثره في المشاعر والنفوس, كما يكشف الخواطر والأمنيات, حيث يستوي في علمه سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة.
ويلحق بهذا المصدر كتب التفسير وأسباب النزول, ففيها كم كثير من الأخبار المتعلقة بالسيرة النبوية, لكن رواياتها بحاجة إلى نقد وتمييز لمعرفة الصحيح من غيره.
ب – ما دونه علماء الحديث بالأسانيد في مصنفاتهم من أحداث السيرة وأخبارها.
فإن مصنفات المحدثين وما فيها من الأخبار والروايات قد خضعت لنقد وتمحيص من علماء الجرح والتعديل , ونصوا على صحيح الأخبار وحسنها, وميزوها عن ضعيفها وموضوعها كما نَصٍِوا على الرواة الثقاة العدول, والرواة الضعفاء والمجهولين والكذابين مما سَهل على الباحثين القدرة على النقد ومعرفة الصحيح من غيره.
ج – ما جمعه علماء السيرة ورواتها الأوائل, من أمثال عروة بن الزبير ت: (93هـ) , ومحمد بن مسلم الزهري ت: (124هـ) , وموسى بن عقبة ت: (141هـ) , وابن إسحاق ت: (151هـ) , وأضرابهم, وكذا ما دُوِّن في المصادر التاريخية العامة من الحوادث والتراجم, وهذا النوع يحتاج إلى نقد وتمييز لمعرفة الصحيح من غيره قبل أن نأخذ الدرس التربوي والعبرة من الحدث, وقبل الاستدلال به على الحكم الشرعي. والمنهج المتبع في نقد الروايات التاريخية هو منهج المحدثين, لكن النتيجة قد تختلف من رواية إلى أخرى بحسب مضمون الرواية, وما يتعلق بها من أحكام, فإذا كانت الرواية متعلقة بحكم شرعي أو أدب نبوي, فلا بد من اتباع منهج المحدثين وشروطهم في الرواية الصحيحة والحسنة, أما إذا كانت الرواية متعلقة بأخبار ليست من هذا النوع – كتاريخ الحدث أو مكانه أو عدد المشاركين فيه أو أسمائهم أو ما يكون من أخبار التاريخ والحضارة – فإنه يتساهل في قبول الرواية حتى ولو لم تستجمع شروط القبول (4) . وهذا منهج سائغ وطريقة مسلوكه حيث يتشدد العلماء في الاستدلال على الفرائض وأحكام الحلال والحرام ويتساهلون في رواية ما لا يرفع حكما أو يضعه من أحاديث الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ (5) . كما أن نقد المتن هو خطوة نقدية بعد نقد السند, وهي مشتركة بين المحدثين والمؤرخين ويستطيع الباحث إذا أتقنها وتمرس بها تمييز الروايات الصحيحة من غيرها.