ولابدّ من الإشارة إلى أنّ المؤلّف تناول هذا الجانبَ ضمن فقرة وحيدة لا تتجاوز سبع صفحات، عنوانها " أحاديث التشرّد " 0 وقد قرأ " التشرّد " قراءة سطحية، ولم يستغلّه للبحث عمّا هو أعمق في تلك الظاهرة، وبخاصّة أنّ موضوع " التشرّد " خلّف في شعر الصعاليك مشاعر مأساويّة لا يكاد نصٌّ يخلو منها، على الرّغم من أنّه ليس دائماً ظاهراً فيه 0 وقد اهتمّ المؤلّف في هذه الفقرة بإحصاء أنواع " حيوانات الصحراء " التي تناولها الشعراء الصعاليك، وكيف رسم هؤلاء صورَ بعض تلك الحيوانات كالأسد والضبع والحمار الوحشي وغيرهم 0
لقد قدّمت دراسةُ " يوسف خليف " معلومات وثائقية هامّة، ولكنّها لم تقترب من روح شعر الصعاليك 0
ونحن بحاجة ملحّة إلى أنْ نقرأ شعرنا القديم بطريقة تتناسب وطبيعته 0 إذ ليس بالضرورة تطبيق كلّ المناهج، أو أكثرها حداثة في النقد على الظاهرة؛ فكلّ هذا ليس هو المهم، بل نعتقد أنّ معرفة الزاوية الصحيحة لقراءة الظاهرة هي الأهم للتغلغل إلى أعماقها، وجوهر روحها وشعريّتها 0 فدراسة " يوسف خليف " المذكورة تناولت ظاهرة الصعاليك ضمن معطيات تنطبق على أيّ ظاهرة أخرى في أي عصر، ولم تبحث عن المدخل الخاص الذي يميّز تلك الظاهرة 0 ولذلك لم تقدّم سوى ما هو وثائقي وخارجي بالنسبة إليها 0 ومثلُ هذه الدراسة كثيرٌ في نقدنا الحديث الذي تناول الشعر العربي القديم، وظَلَمَهُ0
لقد انطوى شعر الصعاليك على مقولات مثل: الاغتراب، والأسى، والمرارة، والظلم، والإهمال، والاضطهاد، والجوع والفقر 0 وهذه ساهمت جميعها بإثبات " هويّة التراجيدي " 0 ولعلّ عروة بن الورد يبيّن سبب كلّ ذلك بقوله:
وسائلةٍ: أين الرّحيلُ؟ وسائلٍ
ومَنْ يسألُ الصعلوكَ: أين مذاهبه
مذاهبُه أنّ الفجاجَ عريضةٌ
إذا ضنَّ عنه بالفعال أقاربه (1)
ويمكن الزعم أنّ " لامية الشنفرى " هي أبرزُ ما يمثّل انكسار الحلم الذاتي وزعزعة الثقة بالقبيلة 0 وهي التي تردّد المقولات المذكورة، وتؤكّدها؛ فهو يبدؤها بحزن شديد، وعتاب لأهله الذين ضيّقوا عليه 0 وهو يؤكّد لهم أنّ الأرض فسيحة، ويمكن له أنْ يستبدلهم بغيرهم 0 فهو أصبح – بعد الذي لحقه في قبيلته – يفضّل وحوش الصحراء عليهم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن صبره على الجوع وما يعانيه من تشرّد وشقاء 0يقول:
أقيموا بني أميّ صدورَ مطيكم
فإني إلى قومٍ سواكم لأميلُ
وفي الأرضِ منأىً للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القِلَى متعزَّلُ
ولي دونكم أهْلونَ سيد عملَّس
وأرقطُ زهلولٍ وعرفاءُ جيألُ
همُ الأهلُ لا مستودعُ السّرِ ذائعٌ
لديهم ولا الجاني بما حرَّ يُخذلُ (2)
فالشنفرى يطلب من أهله - ونبرة الحزن بادية عليه - أنْ يستغنوا عنه، لأنّه يميل إلى غيرهم0 وهذا الميلُ ليس عقوقاً منه، وإنّما بسبب ما لحقَهُ من ظلم وأذى وقطيعة 0 ولعلّ هذا المنطلق يشكّل مدخلاً لقراءة هذه القصيدة 0 ولم ينسَ الشاعر أنْ يتوقّف عند تشرّده وجوعه وصبره إلى جانب تصريحه بأنه يفضّل وحوش الصحراء على قومه، لأنّ تلك الوحوش تحافظ على سرِّ الإنسان وتحترمه 0 والسؤال الذي يُثار هنا: هل تغمر البهجةُ الشاعرَ وهو يفتخر بأنّه استطاع مصادقةَ أشرس أنواع الحيوانات الصحراويّة كما يزعم بعض النقاد الذين فسّروا ذلك بإبراز الشاعر لقوّته وقدرته، ومن ثَمّ سعادته؟ إنّ الإجابة ستكون بالنفي؛ لأنّ هذين البيتين يكشفان عن شخص بائس ومتعب وحزين ومرهق، ويكاد يختنق ممّا جرى له 0 ولعلّ أبسط ما يدلّ على ذلك شكواه من أنّ هذه الحيوانات تكتم السرَّ؛ أي إنّ البشر لا يكتمون السرّ 0 والشاعر بهذا يكشف عن معاناته الشديدة من جرّاء ذلك 0 ثمّ ما الذي يدفع شخصاً ما إلى الخروج على القبيلة والهجرة إلى الصحراء، وموالفة الوحوش، والأفاعي، ومقاومة الجوع والتشرّد لولا المعاناة الشديدة التي دفعته إلى ذلك 0