تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مراجعُ وشمٍ في نواشرِ معصمِ

ودارٌ لها با لرّقمتين كأنّها

فلأياً عَرفتُ الدار بعد توهُّم

وقفتُ بها من بعد عشرين حجةً

ونؤياً كجذم الحوض لم يتثلّمِ

أثافيَّ سُفعاً في معرَّسِ مرجلٍ

ألا أنعم صباحاً أيّها الربعُ واسلمِ (2)

فلمّا عرفتُ الدارَ قلتُ لربعها

ويلخّص لبيد كلَّ ما تطرّق إليه غيرُه قائلاً:

بمنىً تأ بّدَ غولُها فرجامُها

عّفتِ الديارُ محلُّها فمقامها

خَلَقاً كما ضمِنَ الوحيّ سلامُها

فمدافعُ الرّيَّانِ عُرّيَ رسمها

حججٌ خلون حلالها وحرامُها

دمنٌ تجرَّمَ بعد عهدِ أنيسها

عوذاً تأجَّلَ با لفضاء بهامُها (3)

وا لعِينُ ساكنة على أطلائها

من خلال قراءة مجملة للنصوص الطلليّة السابقة نلاحظ أنها بُنيت أساساً على"التراجيدي"؛ أي لتجسّد عن طريق الشعر الشعورَ المتضخّم بالمأساة 0 وقد بُني " التراجيدي" فيها على موت الجميل في المكان والزمان 0فالمكان اندثر، أو أصبح رسماً يصعب التّعرّف إليه، والزمان لن يعود مرّة أخرى، والّلقاءات الجميلة التي كانت ماتت 0 وهذا هو المركز الأساسي للتراجيدي في هذه السّياقات 0 ويمكن تعميمه على الشعر الجاهلي برمّته فيما يخصُّ موقف الأطلال 0

لقد أكّدت النصوص السّابقة على ما يلي سعياً وراء تجسيد قيمة التراجيدي فنياً وجمالياً:

1-: أكّدت جميع النصوص علىعامل الزمن، وعدّته أساسيّاً في صياغة " المأساوي " 0 ونحن نجد فيها دائماً زمنين متقابلين هما: " الماضي" الذي ازدهرت فيه الحياة، والحاضر الذي انتعش فيه الموت 0 وبين الماضي الذي يصرُّ الشاعر على استحضاره، باعتباره موجوداً، وبين الحاضر الذي يراه الشاعر أمامه وقد أصبح أطلالاً دارسة، يكبر الحزن، وتشتعل المأساة، وتحفر أخاديد في مشاعر الشاعر 0

ويمكن أن نضيف إلى ذلك أنّ الّلقاءات الجميلة التي حدثت في الزمن الماضي كانت مرتبطة بمرحلة الشباب الذي يمثّل القوة والعطاء والنشاط 0 لذلك فالشباب الذي أفلَ، والديارُ التي أقفرت، والأحبة الذين كانوا سابقاً هنا، وتلاشوا في الماضي، وقلق الشاعر النابع من إصراره على استحضار الماضي، وقناعته الأكيدة بأن الحاضر جعل من الماضي بكلّ ما فيه رمالاً 0 كلُّ ذلك يُعدُّ مرتكزاتٍ زمنية أساسيّة بُني عليها "الموقف الطّللي" الذي صاغ منه الشاعر الجاهلي " التراجيدي" 0 وممّا كرّس كلّ ذلك وأكّده أنّ معظم "الأفعال" المستخدمة في النصوص جميعاً هي الأفعال الماضية التي تكشف بشكلٍ حسّي، ومباشر أنّ كلّ شيءٍ انتهى، و"لن يعود" 0

2-: ركّزت جميع النصوص على تفاصيل المكان، وأشياء البيت بدقّة متناهية إلى جانب حرصها على ذكر عدد من أسماء الأمكنة، ربّما لارتباطها بذكريات محدّدة تتعلّق بالشاعر، وربّما ليعيد إلى نفسه من خلال ذكرها مفصّلة شيئاً من التوازن النفسي أمام الإخفاقات التي يواجهها في الطّلل 0 ولكن الشيء الأهمّ أنّ اهتمام الشعراء بهذه التفاصيل يؤكّد العمق "التراجيدي"، وتغلغله بتفاصيل المكان وأسمائه، كما يؤكّد حسيّة الصورة الفنية، واتّساع فضائها بربطها بالمكان وبتفاصيله المختلفة 0

3 -: على الرغم من تأكيد الشعراء على ذكر الأمكنة والأشياء وكذلك التفاصيل الجزئية، لكنهم أجمعوا على غياب ملامح المكان كليّاً أو جزئياً 0 بمعنى أنّ التفاصيل المذكورة وُجدت لأنها مرتبطة بالماضي، وحالة الازدهار التي كانت، بينما يندثر المكان الآن، وتمّحي تلك التفاصيل 0 لذلك نجد أنّ هؤلاء الشعراء جميعاً أكّدوا معاناتهم الشديدة في التعرّف إلى الديار التي حملت تلك التفاصيل الدقيقة 0 ولعلَّ انطماس حدود المكان بهجرة الماضي، وحلول القفر مع الحاضر البائس ممّا يزيد من أزمة المعاناة التراجيدية التي يعيشها الشاعر في موقف الطّلل 0

4-: ومّما ساهم في وضع الّلمسات الهامة على لوحة التراجيدي في موقف الطّلل المعجمُ اللغوي الذي يوحّد بين النصوص السابقة، ويعكس " مفردات المأساة "، مثل: الصحراء، الوحشة، الموت، البطء، الحزن، الرّمال، الفراغ، الظباء، السّكون، الفراغ، وما إليها 0

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٩١