تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك كان هو المسار العام الذي اتبعه الشاعر الجاهلي للتعبير عن التراجيدي، وتشكيله في موقف الطّلل0 ومّما كان يعمّق هذا الشعور التراجيدي أكثر هو الإحساسُ الشديد بالزمن؛ الماضي المزدهر، والحاضر الذي أقفر 0

ومن استعراض لمطالع بعض النصوص الشعرية في العصر الجاهلي نجد أنّ " التراجيدي " هو أبرزُ ما يواجهنا فيها من حيث موقعه في أوّل كلِّ نصّ، ومن حيث تضخّم الشعور المأساوي فيه 0

فامرؤ القيس يدعو إلى تعميم الشعور بالمأساة لعلَّ ذلك يخفّف عنه شدّة وقعها:

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

بسقطِ الّلوى بين الدَّخول فحوملِ

فتوضح فالمقراةِ لم يعفُ رسمُها

لِمَا نسجَتْها من جنوبٍ وشمألِ

ترى بَعَرَ الأرآم في عَرَصاتها

وقيعانها كأنّه حبُّ فلفلِ (1)

والشاعر هنا يركّز بوضوح على التفاصيل الجزئيّة في المكان، ويربطها بغياب الأحبة الذين ملؤوا تلك التفاصيل، واليوم لا أحدَ فيها 0

ويفصّل الحارث بن حلّزة أشياء المكان لأهميتها القصوى في بناء الموقف التراجيدي قائلاً:

فا لمحيّاة فا لصّفاحُ فأعنا

قُ فِتاقٍ فغاربٌ فالوفاءُ

فرياضُ القطا فأدويةُ الشُّرْ

بُبِ، فا لشعبتانِ فا لأبلاءُ

لا أرى مَنْ عهدتُ فيها فأبكي ال

يومَ دلْهاً وماَ يُحيرً البكاءُ

وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النّا

ر َ أخيرا ً تُلوي بها العلياءُ

فتنوّرتَ نا رَها من بعيدٍ

بخُزارى، هيهاتَ منكَ الصِّلاءُ (1)

والشاعر، كما هو ملاحَظ بعد أن يُفصّل أشياء المكان، ينتقل إلى استثارة الشعور التراجيدي لدى المتلقي بعد أن يربط تلك التفاصيل بخلوّها من أهلها الذين كانوا يشغلونها 0

ويترك النابغة التفصيل بأسماء الأمكنة ليفصّل بأشياء جزئية أخرى تتعلّق بالبيت، ربما كانت الحبيبة تستخدمها 0 وهذه الأشياء تستثير لدى الشاعر شعوراً بالأسى والحزن، وبخاصة بعد أن يصحو من ذكرياته، ليكتشف أنّ كلّ شيء في المكان متروك ولا أحد فيه، أو حوله 0 يقول:

يا دارَ ميَّةَ بالعلياء، فالسَّندِ

أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ

وقفتُ فيها أصيلاناً أسائلُها

عيَّتْ جواباً وما بالربع من أحدِ

إ لاّ الأواريّ لأياً ما أبيّنها

والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجَلدِ

أمستْ خلاءً وأمسى أهلهُا احتملوا

أخنى عليها الذي أخنى على لُبدِ (2)

وممّا يزيد الأمر بؤساً، ويجعل الشاعر أكثر شقاءً انطماس معالم الأمكنة، وصعوبة التعرف إليها 0 ومن خلال مقارنة واضحة بين ما كان يجري في هذه الأمكنة، وبين قَفْرها الآن ينمو الشعور بخيبة الأمل، فيحسُّ أنّ الجميل ذهب، والأكثر من ذلك شعوره الأكيد بأنّ ذلك الجميل لن يعود أبداً 0

يقول عبيد بن الأبرص مؤكّداً ذلك:

لمنِ الديارُ أقفرت بالجنابِ

غيرَ نُؤيٍ، ودمنةٍ كالكتابِ

غيّرتها الصَّبا ونَفْحُ جنوبٍ

وشمالٍ تذرو دُقاقَ الُّترابِ

أوحشتْ بعدَ ضُمَّرٍ كالسّعالي

من بناتِ الوجيهِ أو حَلاّبِ (3)

ويدعم هذا الموقف طرفة بن العبد قائلاً:

لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمدِ

تلوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليد (4)

وكان بعض الشعراء يواجه صعوبات كثيرة في التعرّف إلى تلك الأماكن التي أضحت رسوماً 0 وحين يجدها كان يقول لها كلاماً جميلاً، وكأنّه يعزّي نفسه بما جرى لها 0 ولكن هذا لا ينفي عمقَ الشعور التراحيدي لديه بل يؤكّده 0

فهذا عنترة ينادي أطلال عبلة، ويحيّيها مرّتين بعد أن أضناه تعبُ البحث عنها:

يا دارَ عبلةَ بالجواءِ تكلّمي

وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي

فوقفتُ فيها ناقتي وكأنه

فدَنٌ، لأقضي حاجةَ المتلوّمِ

وتحلُّ عبلةُ بالجواء، وأهلنا

بالحزن، فالصمّان، فالمتثلّمِ

حُيّيتَ من طلل تقادمَ عهدُه

أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثمِ (1)

ويعود زهير بن أبي سُلمى إلى الديار بعد عشرين سنة، فيرصد لنا مشاعرَ مأساويّة مركّزاً فيها على تفاصيل المكان والزمان، ولا ينسى أن يحيّي التفاصيل بعد أن يتعرّف إليها 0 يقول:

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٩٠