تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالمأمون فيما تقدم يحثّ ابن مسعدة، ويحضّه على الإيجاز ما أمكنه ذلك، ولم يكن عمرو (وهو الكاتب الفَطِن) بالذي يعصي لخليفته وولي نعمته أمراً، بل كان أشد التزاماً بما أُمِر به.

ومن المؤكّد أن غير المأمون من الأدباء، والبلغاء، والكتاب النابهين، من يرى هذا الرأي، ويسير على نهجه فيما تبدعه قريحته، ويخطه يراعه، وما كان إعجاب جعفر البرمكي بأحد توقيعاته، وإشادته به إلا واحداً من ذلك.

ويعدّ الإيجاز في نثر ابن مسعدة كما في نثر غيره ((من أبرز آثار التوازن بين اللفظ والمعنى، وأفضل حسناته…وهو توازن دقيق وحدّ وسط بين الإفصاح البالغ المسرف في ثرثرته وفضوله، وبين الغموض الكزّ الضنين بأسراره وكنوزه، ولا يلين ولا يستجيب وإن جهد الذهن في استنطاقه (5)) ) .

هكذا نجد هذه العوامل والأسباب كلها، بالإضافة إلى التزام كتاب العصر في جملتهم بالإيجاز تدفع بابن مسعدة كغيره من بلغاء عصره إلى أن يوجز في كتابته إيجازاً أصبح أبرز سمة من سمات فنّه الذي أبدع فيه، وأصبح إماماً له، وكان من أجله موضع تقدير من لدن أرباب البيان والبلاغة في عصره وبعده، فقد قال عن نفسه: ((كنت أوقِّع بين يديْ جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، فرمى بها إليَّ، وقال: أجب عنها. فكتبت: قليل دائم خير من كثير منقطع. فضرب بيده على ظهري، وقال: أي وزير في جلدك؟ (1)) ) .

ويروع المأمون بيانه، ويعجبه إيجازه، وتسحره بلاغته في خبر جاء فيه: أنه ((قدم رجل من أبناء دهاقين قريش على المأمون لِعِدَةٍ سلفت منه فطال على الرجل انتظار خروج أمير المؤمنين، فقال لعمرو بن مسعدة: توصل في رقعة مني إلى أمير المؤمنين تكون أنت الذي تكتبها تكون لك عليَّ نعمتان. فكتب: إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته ويأذن له في الانصراف إلى بلده فعل إن شاء الله.

فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمراً فجعل يعجبه من حسن لفظها وإيجاز المراد.

فقال عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟

قال: الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه وبجائزة ألف درهم صلة على دناءة المطل، وسماجة الإغفال، ففعل ذلك له (2)) ) .

وقد شاع تفوقه في الإيجاز، وشهرته به، حتى صارت بعض نصوصه شواهد صالحة، وأمثلة يمثَّل بها في الدرس الأدبي والبلاغي، فقد وجدنا الخفاجي (ت:466هـ) (3) مثلاً يعدّ من ((إيجاز القصر)) ما كتبه ابن مسعدة عن المأمون إلى بعض عماله: ((كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنّى بمن كُتِب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله، والسلام (4)) ) .

وهذا الكتاب على قِصَرِه ((يصوّر المهارة العقلية التي كان يحتاجها كاتب الديوان في العصر العباسي، فهو يحتال في كتاباته، وهل في هذا الخطاب سوى الاحتيال بصورة طريفة عن الفكرة التي يريد الكاتب أن يؤديها؟ (1)) ) .

وذكر الجرجاني (ت:729هـ) أن إيجاز القصر على نوعين وكلام ابن مسعدة هذا من النوع الثاني منه ((وهو أن يؤتى بألفاظ دالّة على معنى أو معانٍ محملة إذا فُصِل أو فُصِلت صارت معانيَ كثيرة (2)) ) .

وكلام ابن مسعدة المتقدم من الإيجاز المحمود الذي عرّفه ابن خفاجة بقوله: ((هو إيضاح المعنى بأقلّ ما يمكن من اللفظ (3)) ) .

وعندما ننظر فيما بقي بين أيدينا من نثر ابن مسعدة نجده لم يخرج في إيجازه عن سَنَن الفصحاء والبلغاء، الذين استحسنوا الإيجاز في بعض المواضع مثل الاعتذار، والشكر، ومخاطبة الخاصة، ونحو ذلك، فقد عرفناه حسن السياسة للأمراء والولاة، حسن الصحبة لهم، أديباً في مخاطبتهم، موجزاً في حديثه إليهم، ولم يكن ذلك خافياً عليهم، يظهر ذلك فيما روي عن عمرو بن مسعدة أنه كتب إلى المأمون: ((كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قِبَلي من أجناده وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم. فقال المأمون: والله، لأقضين حق هذا الكلام، وأمر بإعطائهم لثمانية أشهر. فجعل يردّد فيه النظر ثم قال لأحمد بن يوسف: لعلك يا أحمد فكرت في ترديدي النظر في هذا الكتاب. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال ألم تر يا أحمد إلى إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفاء سلطانه من الإكثار؟ ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر (4)) ) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٨٠