وابن مسعدة كغيره من الناس يتكلم، ويعبر، ويكتب عن أفكار كثيرة تمليها عليه طبيعة الحياة العامة والخاصة التي يعيشها، فهو مضطر أن يفيد من طبيعة اللغة، وما تتميّز به من خصائص، وما فيها من أسرار، أشار التوحيديّ إلىكثير منها في معرض حديثه عن الكلام البليغ بقوله: ((فإن الكلام صَلِف تيّاه لا يستجيب لكل إنسان، ولا يصحب كل لسان، وخطره كثير ومتعاطيه مغرور، وله أَرَن (2) كأرَن المُهر، وإباء كإباء الحرون، وزهو كزهو الملك، وخفق كخفق البرق، وهو يتسهّل مرّة، ويتعسّر مراراً، ويذل طوراً ويعز أطواراً، ومادته من العقل، والعقل سريع الحؤول (3) ، خفيّ الخداع، وطريقه على الوهم، والوهم شديد السيلان، ومجراه على اللسان، واللسان كثير الطغيان، وهو مركب من اللفظ اللغوي والصوغ الطباعي، والتأليف الصناعي، والاستعمال الاصطلاحي، ومستملاه من الحجا ودَرْيُه (4) بالتمييز، ونسجه بالرقة والحجا في غاية النشاط (5)) ) .
أما العامل الثاني من عوامل الإيجاز فهو طبيعة الفن ذاته، فالفن ((ليس إعادةً للواقع، نسخة منه، مطابقاً له، ولا يمكن أن يكون كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لزهدنا فيه، ونفرنا منه، واجتويناه، فالواقع الأصلي يغنينا خير غنى عن هذه الصورة المسخ الفاقدة المعنى الخالية من الحياة (6)) ) .
وعلى الرغم من ذلك فإننا لا نستطيع أن نعدّ كل إيجاز محمود مرغوب إذ له أحوال ومواضع يحسن فيها، وله غيرها يقبح فيها، وإلى هذا أشار جعفر بن يحيى البرمكي في توقيع له إلى عمرو بن مسعدة قال فيه: ((إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عِيّاً (1)) ) .
أما عن طبيعة الحياة (العامل الثالث) فما من شك في أن البيئة بطبيعتها وجوانبها المختلفة (المكانية، الزمانية، العلمية والأدبية، الاجتماعية والسياسيّة) وما تخلعه تلك على الحياة التي يعيشها الأديب، وما تصبغ به حياته من أفكار، وتدفعه إليه من سلوك، وما تشغل به وقته من أعمال وحوائج يلزمه قضاؤها، فإن لذلك كله أثره الواضح أحياناً في جذب الكاتب إلى الإيجاز، وعدم التطويل.
وأما عن طبيعة الموضوع، فما من شك في أن الموضوع يفرض نفسه على الكاتب، وتحدّد طبيعته الطريقةَ المناسبة لتناوله، وعرض أفكاره العامة، والجزئية؛ لذا أرى من أسباب الإيجاز عند ابن مسعدة وغيره ممن سار على نهجه طبيعة الموضوعات النثرية التي طرقها.
فالرسائل الإخوانية بخاصة سلكت أسلوب المراجعات، والمجاوبات، أي أنها تكون أحياناً ردّاً أو جواباً، فمطلوب فيها الإيجاز، والحِكَم أساساً تقوم على الإيجاز، وكذلك التوقيعات.
وإلى جانب هذه العوامل العامة المؤثّرة في بروز ظاهرة الإيجاز في كتابات الكتاب الموجزين والتي كان لابن مسعدة نصيب منها نجد عوامل صريحة مباشرة كان لها تأثيرها البيّن في دفعه إلى الإيجاز فيما كتبه.
فمع ما كان يذهب إليه أساطين البلاغة، وأمراء البيان في العصر من إشادة بهذا المسلك، ومن بين هؤلاء الخليفة المأمون الذي عُرِف ببيانه وبلاغته، فقد كان له تأثير كبير على ابن مسعدة فكان يحب الإيجاز، ويعجب به كما جاء في بعض مقولاته عنه، ولم يقف أثره على الإعجاب به فقط، بل كان يدعو صراحة إلى نبذ الاستطراد فقد جاء في خبر سبق (1) أن المأمون طلب منه أن يكتب إلى عامل دَسْتبى كتاباً فأطاله ابن مسعدة، فأخذه المأمون من يده، وكتب: ((قد كثر شاكوك فإمّا عدلتَ، وإما اعتزلتَ (2)) ) .
كما جاء في خبر آخر عنه أن المأمون قد أمره أن يكتب لشخص كتاباً إلى بعض العمال بالوصية عليه والاعتناء بأمره وأن يكون ذلك في سطر واحد فقط (3) ، فكتب له: ((كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبتُ إليه، معنيّ بمن كتبت له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله، والسلام (4)) ) .