إلى أن يقول: ((ومن هنا نستطيع أن نتبين السر في حرص شعراء الجاهلية على هذه المقدمات، وما يتصل بها من وصف الصحراء والرحلة)) (107) .
وإلى مثل ذلك يذهب الدكتور وليد قصاب إذ يقول: ((فالمعروف أن القصيدة القديمة ... كانت تقوم على تعدد الأغراض. فالشاعر يفتتحها بالوقوف على الأطلال، والحديث عنها ووصفها، ثم يعرض بعضاً من مناحي فتوته كالغزل ووصف الخمر. وقد يصف لنا رحلته في الصحراء ليعرض من خلال ذلك للحديث عن ناقته والفلاة الواسعة التي قطعها؛ ثم يمضي إلى الغرض الأصيل من القصيدة، فيمدح أو يفتخر أو يعاتب)) (108) .
ويؤكد ذلك الدكتور محمد عبد العزيز الكفراوي وهو يعلل حرص الشعراء الجاهليين على تضمين مقدمات قصائدهم وصف الناقة والصحراء فيقول: ((فهم يستعيدون بذكر الناقة والصحراء عصر المخاطرة والفتوة والشباب الذي تركوه وراء ظهورهم، وهو لذلك جزء مكمل لما بدأه الشاعر من الحديث عن عواطفه وذكرياته أثناء الحديث عن المرأة)) (109) .
ولابن رشيق القيرواني كلام حاسم في هذه المسألة ساقه في باب المبدأ والخروج والنهاية، فقال: ((والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفارز، وما أنضى من الركائب، وما تجشم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره، ثم يخرج إلى مدح المقصود، ليوجب عليه حق القصد، وذِمَامَ القاصد، ويستحق منه المكافأة)) (110) .
وهذا غيض من فيض من آراء النقاد الذين نظروا إلى وصف الناقة والرحلة في الصحراء على أنه جزء لا يتجزأ من المقدمة.
ثم أن النظرة الشاملة للقصيدة تبدد أي شك في أن المقدمة لم تنته بنهاية اللوحة الثالثة؛ ذلك لأن الغرض الرئيس للقصيدة هو الفخر الذي يبدأ بعد نهاية لوحة الناقة، بقوله:
قَوْمِي بَنُو النَّجَّارِ إنْ أَقْبَلَتْ
شَهْبَاءُ تَرْمِي أَهْلَهَا بِالْقَتَام
وليس قوله (دع ذا) في أول اللوحة الرابعة دليلاً على أنه قد وصل إلى غرضه؛ وإنما هو إشارة إلى أنه انتهى من لوحة ليشرع في لوحة أخرى من لوحات مقدمته. ومعنى ذلك أن حساناً قد خرج في مقدمته هذه على العرف الشعري الجاهلي، وتمرد على تقليد من تقاليد المقدمة.
... ويذهب الدكتور حسين عطوان إلى أنّ للمقدمة الطللية ثلاثة أشكال لاتتعدّاها إلى غيرها، هي: صورة الطلل بمفردها، وصورة الطلل مع صاحبته، وصورة الطلل والظعن (111) .
... ولكن يتبين في ضوء دراسة مقدمات حسان الجاهلية أن تقسيم الدكتور عطوان السابق يحتاج إلى مراجعة، إذ يبدو جلياً أن صور المقدمة الطللية تتجاوز الأشكال التي حددها الدكتور عطوان إلى أشكال أخرى، مثل: المقدمة الطللية الظعنية الغزلية (الصورة الخامسة) ، وهي التي تضم لوحة الطلل، ولوحة الغزل، ولوحة الظعن. كما يجد القارئ في قصيدة حسان الميمية التي مطلعها (112) :
أَلَمْ تَسْألِ الرَّبْعَ الجَديدَ التَّكَلُّمَا
بِمَدْفَعِ أَشْدَاخٍ فَبُرْقَةَ أَظْلَمَا
والمقدمة الطللية الغزلية الوصفية (الصورة السادسة) التي تتألف من: لوحة الطلل، واللوحة الغزلية، واللوحة الوصفية الخمرية، ولوحة الناقة، كما هو الحال في مقدمة القصيدة التي نحن بصددها.
الصورة السابعة: مقدمة الطيف والرحلة
... مقدمة الطيف من المقدمات الثانوية التي لم يكثر منها الشعراء في العصر الجاهلي، فهي قليلة الورود، محدودة المعاني، لم يتوسع الشعراء فيها ((بل كرّروا نفس المعاني والجزئيات في إيجاز شديد)) (113) .
... وفيها يتحدث الشاعر ((عن طيف الحبيبة الذي يخترق أستار الظلام، ويسري في ظلمات الليل، ليزور الشاعر في أحلامه، فيؤرقه ويعيده إلى ذكريات ماضية، ويثير في نفسه مشاعر الشوق والحنين الكامنة في أعماقه، ويجسم إحساسه بالبعد والحرمان)) (114) .
... وقد يضيف بعض الشعراء إلى ذلك تعجبهم من اهتداء الطيف إليهم، وقطعه المفاوز حتى ألم بهم (115) .