تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وتمثل هذه الصورة عند حسان مقدمتان، إحداهما: مقدمة قصيدته اللامية التي مطلعها (78) :

أسألْتَ رسمَ الدَّارِ أمْ لمْ تسألِ

بينَ الجَوابي فالبُضَيع فَحَوْملِ

وتقع في ستة أبيات، وقف فيها الشاعر على الأطلال التي اندثرت آثارها وعفت رسومها بين الجوابي، فالبضيع، فحومل، فمرج الصفّرين، فجاسم، فتبنى، وجميعها من منازل الغساسنة في الشام. فسألها عن أهلها الظاعنين، وتحسر على إقفارها من أحبته الذين كانوا يحلون بها، ووصف تعاقب الرياح في عرصاتها، وانهمار الأمطار في ساحاتها، وكيف طمست معالمها، وغيرت ما كان يعرفه منها. ثم أرسل دمعه الهتّان لما أثارته تلك المنازل الدارسة، والديار الموحشة في نفسه من أشجان بعد أن كانت عامرة بأهلها ذوي العز الشامخ والمجد الباذخ، ثم دلف إلى المدح:

فالمرجِ مرجِ الصُّفَّريْنِ فَجَاسِمٍ

فديارِ تُبنى دُرَّساً لم تُحْلَلِ

أَقْوى وعُطِّلَ منهمُ فكأنَّه

بَعْدَ البِلَى آيُ الكتابِ المُجْمَلِ

دِمَنٌ تَعاقبها الرياحُ دَوَارسٌ

والمُدْجِناتُ من السِّماك الأعْزلِ

فالعَيْنُ عانِيةٌ تفيضُ دمُوعُها

لمنازلٍ دَرَسَتْ كأنْ لم تؤْهلِ

دارٌ لقومٍ قد أراهمْ مرَّةً

فوق الأَعِزَّةِ عزُّهُم لمْ يُنْقَلِ

... ومن الواضح أنّ حساناً تمسك في هذه المقدمة بعدد من مقومات المقدمة الطللية، وعناصرها؛ فقد حدّد مكان الديار تحديداً دقيقاً، يدل على ارتباطه النفسي بها، وساءَل رسومها عن أهلها، وشبه أطلالها المقفرة بآثار الكتابة، وذكر ما درسها من الرياح والأمطار؛ وإن لم يذكر ما ذرته عليها الرياح من رمال، وذرف الدموع الغزيرة على ما آلت إليه حال تلك الديار من وحشة، وعطف بين الأماكن بالفاء.

... ولكنه في الوقت نفسه تخلّى عن عدد آخر من مقومات المقدمة التقليدية، فلم يسترجع ذكرياته بها، ولم يصف ما بقي من آثارها كالنؤي، وبقايا الرماد، والأثافي، والأوتاد. ولم يتحدث عما حل بها من حيوانات الصحراء؛ كما تخلى عن فكرة الرفيقين اللذين كان شعراء المرحلة الأولى من حياة الشعر الجاهلي يحرصون على إظهارهما، وتوجيه الخطاب إليهما، ولم يخاطب الصحب أو يستوقفهم، ولم يكن حريصاً على سرد ذكريات يوم الرحيل.

... ويبدو أن مسألة التخلص من العناصر الموروثة للمقدمة قد قطعت عند حسان شوطاً أبعد مما كانت عليه عند زهير ومدرسته؛ فالناظر في معلقة زهير يجد أنه لم يتخلَّ إلا عن قليل من العناصر، مثل: البكاء على الطلل، ومخاطبة الرفيقين؛ ولكن حساناً تخلى عن عدد أكثر من تلك العناصر؛ بل ليس من المبالغة القول إن ما تخلى عنه أكثر مما أبقى عليه.

.. ولا يجد قارئ هذه المقدمة الحرص على التفاصيل والجزئيات والعناية بالألوان اللذين يجدهما في مقدمات زهير، كما لا يلمس الروية والأناة، ولا التدقيق في اختيار الألفاظ اللذين يجدهما في معلقته؛ ومعنى هذا أن اتجاهاً جديداً أخذ في الظهور عند حسان يبدو فيه حرصه على التركيز والتكثيف، وتظهر فيه نزعة واضحة إلى التخلص من كثير من قيود المقدمة التقليدية، وتقاليدها الموروثة.

... وإذا كان الجنوح إلى التعبير بالصورة يعد مظهراً من مظاهر تطوّر المقدمة الطللية عند شعراء مدرسة الصنعة (79) ، فإن الاقتصاد في التعبير بالصورة يعدّ من العلامات المميزة للمقدمة الطللية عند حسان، كما يتضح في مقدمته السابقة.

... ولعل من الجديد الذي يجدر تسجيله في هذه المقدمة ذكر أماكن تقع خارج الجزيرة العربية.

... والمقدمة الثانية التي تمثل المقدمة الطللية المنفردة مقدمة قصيدته الطائية التي مطلعها (80) :

لِمن الدارُ أقْفَرتْ بِبُواطِ

غَيْرَ سُفْعٍ رَوَاكِدٍ كالغَطَاطِ

... وهو يفتتحها بالتساؤل عن أهل دار أقفرت من ساكنيها في موضع يدعى (بواط) عاثت فيها يد البلى، فبدلت ملامحها، وغيرت معالمها، ولم تبق منها سوى حجارة الموقد السود، تجثم كأنها القطا الوقع.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٣٦