تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالتْ ولمْ تَقْصُدْ لِقِيل الخَنَا

مَهْلاً فَقَدْ أَبلغْتَ أسْماعِي

ومطلع قصيدة حسان النقيضة (66) :

بَانَتْ لمَيسُ بحبْلٍ منْكَ أَقْطَاعِ

واحْتلَّت الغَمْر تَرْعَى دَارَ أشْراعِ

... وقصيدة ابن الأسلت ليست ذات مقدمة. ولكن قصيدة حسان لها مقدمة تقع في ثلاثة أبيات، يتبعها بيت التخلص.

... ولئن كان في هذا بيان فإنه يبدو أن حالة حسان النفسية عند إنشاء القصيدة هي التي كانت تحدد منهجه في بناء القصيدة.

... وجميع قصائده ذوات المقدمات لم ينظمها حسان فيما يبدو على عجل، ولم تكن تجربته فيها وليدة موقف طارئ، أو انفعال مفاجئ، وإنما قالها بنفس هادئة، بعد أن ترك للتجربة أن تنضج في نفسه ببطء، بعيداً عن التوتر الذي ينتج عن إلحاح المناسبة، وعن ثورة الانفعال في النفس. ولعل مما يؤكد ذلك أن جميع هذه القصائد لم يذكر في ديباجتها سوى عبارة ((وقال)) (67) أو ((وقال حسان)) (68) أو ((وقال حسان يفتخر)) (69) أو ((وقال يمدح جبلة ابن الأيهم)) (70) ، وهي عبارات لا تدل في العادة على ارتباط القصيدة بموقف مفاجئ أو طارئ، عدا القصيدة التي رد فيها على أبي قيس بن الأسلت، فقد جاء في ديباجتها خبر يوم خَطْمة، ووردت فيها عبارة ((فأجابه حسان بن ثابت)) (71) .

.. ويبدو أن رد حسان لم يأت سريعاً، لأنه لا يتضمن أية إشارة إلى ما جاء في قصيدة أبي قيس، أو إلى يوم خطمة، وإنما هي فخر عادي لا يختلف عن فخر حسان في معظم قصائده الأخرى؛ على حين جاءَت قصائده الجاهلية الخالية من المقدمات وليدة موقف مفاجئ في الغالب، لم يستطع فيه أن يغالب انفعاله، فأطلق لسانه بما اعتمل في نفسه دون أية مقدمة، على النحو الذي سبق بيانه.

* * * * *

... ينتمي حسان إلى الجيل الثالث من شعراء العصر الجاهلي، الذي يمثلون المرحلة الأخيرة من مراحل تطور الشعر الجاهلي وهي المرحلة التي تمخضت عن جهود شعراء جيلين سابقين هما:

... شعراء المرحلة الفنية الأولى الذين بنوا على أسس ورثوها عن أسلافهم وتبلورت لديهم المقومات الأساسية لمقدمة القصيدة العربية.

... وشعراء المرحلة الفنية الثانية الذين تطوّروا بالمقدمة ((تطوراً أعطاها صورتها النهائية)) (72) ، بما أضافوا إليها من عناصر جديدة، وبما تخلصوا منه من عناصر موروثة.

... والمتأمل في مقدمات حسان الجاهلية يجد تعدداً في صور المقدمات وأشكالها، كما يلمس تمازجاً وتداخلاً بين تلك الصور والأشكال.

واستقراء مقدمات قصائد حسان الجاهلية يكشف عن ثماني صور هي:

1 ... المقدمة الطللية المنفردة.

2 ... المقدمة الغزلية المنفردة.

3 ... المقدمة الطللية الغزلية.

4 ... المقدمة الظعنية الغزلية.

5 ... المقدمة الطللية الظعنية الغزلية.

6 ... المقدمة الطللية الغزلية الوصفية.

7 ... مقدمة الطيف والرحلة.

8 ... مقدمة وصف الليل والظعن.

الصورة الأولى: المقدمة الطللية المنفردة

... تعد المقدمة الطللية أبرز المقدمات وأكثرها شيوعاً في الشعر الجاهلي، ذلك لأنها ((وجدت هوى شديداً في نفوس الشعراء الجاهليين لارتباطها ببيئتهم المادية، وطبيعة حياتهم الاجتماعية)) (73) .

.. وعلى الرغم من أن حساناً لم يكن من سكان البوادي، وإنما من أهل المدن إلا أنه لم يستطع أن يتخلّص من التقاليد الفنية البدوية أو الخروج عليها بحيث يبتدع نظاماً جديداً لمقدمات قصائده، أو يخالف كل المخالفة نظامها عند شعراء البوادي (74) . شأنه في ذلك شأن جميع شعراء الحواضر أو شعراء القرى العربية كما يسميهم ابن سلام (75) ، يستوي في ذلك الشعراء الذين أمضوا حياتهم فيها أو رحلوا إليها أو ((وفدوا على قصور الملوك التي كانت تزخر بألوان الحضارة)) (76) .

... فقد حرصوا جميعاً على التمسك بأصول هذه المقدمة وعناصرها. ولكن من المؤكد أنّ الصورة العامة للمقدمة الطللية لم تكن جامدة، بل كانت تحتلف من شاعر إلى آخر ((في التفاصيل والجزئيات، أو في طريقة العرض، أو اختيار الألوان والزوايا، أو في توزيع الظلال والأضواء، فمثل هذا الاختلاف طبيعي في كل عمل فني أصيل)) (77) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٣٥