تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ومما لا ريب فيه أن حساناً وقد ضجّت في نفسه أحاسيس النصر، وثب إلى موضوعه دون مقدمة من شأنها أن تؤدي إلى خبّو انفعاله، أو أن تذهب بحرارة التجربة في نفسه.

... لقد عرف الشعر العربي منذ أقدم عصوره إقدام بعض الشعراء على الاستغناء عن المقدمات، وإقبالهم على موضوعات شعرهم دون تمهيد، وبخاصة عندما تجيش نفوسهم بانفعالات قوية، في مواقف طارئة لا تحتمل التريث. ويبدو أنّ ذلك كان شائعاً ومألوفاً، لأن النقاد أطلقوا عليه عدداً من الأسماء، ومنها: ((الوثب، والبتر، والقطع، والكسع، والاقتضاب)) (15) . ووصفوا القصيدة إذا جاءَت على تلك الحال بأنها بتراء، وشبهوها بالخطبة البتراء. قال ابن رشيق: ((والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء)) (16) .

... وما كثرة هذه الأسماء والأوصاف إلا دليل على شيوع ظاهرة إهمال المقدمات، وكثرة القصائد التي سلك إليها قائلوها هذا المنهج.

.. وكما نص النقاد على هذا النمط من القصائد، وسموه بأسمائه، ووصفوه بأوصافه، نصوا كذلك على أنّ العرف لم يجْرِ بأنْ يقدم للمراثي بمقدمات تقليدية، قال ابن رشيق ((ليس من عادة الشعراء أن يقدّموا قبل الرثاء نسيبا كما يصنعون في المدح والهجاء)) (17) . ونقل عن ابن الكلبي (18) (ت 206هـ) قوله: ((لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة (19) (ت 8هـ،630م) :

أَرَثَّ جَدِيدُ الحَبْلِ من أُمِّ مَعْبَدِ

بِعَاقِبةٍ وَأَخْلَفَتْ كُلَّ مَوْعِدِ)) (20)

... ويعلل ابن رشيق ذلك تعليلاً نفسياً منطقياً، فيقول: ((لأنّ الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولاً عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة، وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة، وحين أخذ ثأره، وأدرك طلبته)) (21) . وطبيعي جداً أن يتخلى شاعر الرثاء عن المقدمات بكل ألوانها وأشكالها، لأن المقام في الرثاء ((ليس مقام متعة ولهو)) (22) .

... وأرى أن تعليل ابن رشيق السابق للمسألة تعليل قائم على فهم صحيح لطبيعة التجربة الشعرية، وعلى اعتداد بعنصر الصدق الشعوري في العمل الأدبي. وهو في نظري صالح لتعليل خلو قصائد حسان السابقة، وسواها من المقدمات، وذلك لأن نفس حسان وإن لم تكن حزينة في قصائده السابقة إلا إنها كانت متوترة، ومشغولة بما هي آخذة فيه من الفخر والهجاء الذي فجره الموقف في نفسه.

... ومع ذلك فإننا نجد باحثا ذا باع طويل في دراسة مقدمة القصيدة العربية، هو الدكتور حسين عطوان يرفض هذه الفكرة، ويكاد يصر على أنها ترجع في بعض جوانبها إلى ضياع المقدمات من تلك القصائد، ويكاد يطمئن إلى ذلك في تعليل هذه الظاهرة (23) ، بانياً موقفه ذاك على أساسين:

أولهما: وقوفه على شاهد واحد على ما يذهب إليه، هو قصيدة النابغة الذبياني (ت18ق. هـ/604م) التي رواها الأصمعي على أنها تبدأ بقوله (24) :

لقد نَهَيتُ بني ذُبيانَ عَن أُقُرٍ

وعن تَربُّعِهِم في كلِّ أَصْفَار

دون أن يثبت لها مقدمة، في حين رواها أبو الخطاب القرشي (عاش قبل منتصف القرن الخامس الهجري) (25) كاملة، مع مقدمة ضافية (26) .

... ويضيف الدكتور عطوان قائلاً: ((ومن الطريف أن مقدمتها التي وصف فيها الأطلال، وصاحبته، ورحلته في الصحراء، وناقته، ومنظراً من مناظر الصيد، تبلغ ما يقرب من خمسين بيتاً)) (27) .

... ويستظهر من ذلك ((أنَّ كثيراً من القصائد سقطت مقدماتها)) (28) ، معقباً بأنه ((ليس في ذلك شك)) (29) .

وثانيهما: ((أنَّ كثيراً من نصوص الشعر الجاهلي ضاع في أثناء رحلته من الجاهلية إلى عصر التدوين)) (30) .

... ولا شكَّ أن وجود شاهد واحد حتى ولو كان صحيحاً لا يمكن أن ينهض دليلاً على صحة ما ذهب إليه الدكتور عطوان من أن ((كثيراً من القصائد سقطت مقدماتها)) ، كما أنه ليس مسوغاً للجزم بذلك إلى حد القول ((وليس في ذلك شك)) ، لأن تعميم حالة قصيدة النابغة تلك على جميع القصائد التي خلت من المقدمات قياس خاطئ قيس الكل فيه على حالة واحدة، فضلاً عن أنه يتجاهل ما أقرّه نقاد ثقات كابن رشيق من أن ((من الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطاً من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة وذلك عندهم هو الوثب، والبتر، والقطع والكسع، والاقتضاب وكل ذلك يقال)) (31) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٣٢