تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إِنما يُدْهِنُ لِلْقَلْبِ الحَصِرْ

لاَ يَكُنْ حُبُّكِ هَذا ظَاهِراً

ليسَ هَذا مِنْكِ يا عمرُ بسرْ

سَألتْ حسانَ من أخواله؟

إنّما يُسْألُ بالشَّيْءِ الغُمُر

ومن الواضح أنه قالها في سورة غضبه الذي أدى به إلى طلاق زوجه على الرغم من أن كلاً منهما كان محباً لصاحبه، كما يقول الخبر (6) .

.. والمطْلع نفسه يحمل أكثر من إشارة إلى ذلك، فهو يأمر نفسه بعدم الاستجابة لنداء قلبه، لأنه لا يخضع لنداء العاطفة إلا الضعيف (الحَصِر) ؛ ويعلن ثورة عارمة على تلك الزوجة التي تجاهلت أخواله فسألته عنهم وهي تعرفهم؛ لأنه إنما يُسأل عن الشيء المجهول. وهو ليس ممن يغضون على الإساءة، وإن جاءته من أحب الناس إليه. وفي مثل هذه الأجواء الانفعالية، والجيشان الشعوري، لا يتوقع المرء أن يمهد الشاعر لتجربته بأية مقدمة.

وأما الثانية فقالها عندما مرّ بنسوة فيهن مطلقته (عمرة) ، فأعرضت عنه، وقالت لامرأة منهن: إذا حاذاك هذا الرجل فاسأليه من هو؟ وانسبيه إلى أخواله. فلما حاذاهنّ سألته، فانتسب لها، فقالت له: فمن أخوالك؟ فأخبرها، فبصقت عن شمالها وأعرضت، فحدد النظر إليها، وعجب من فعالها، وجعل ينظر إليها، فبصر بمطلقته عمرة، وهي تضحك، فعرفها، وعلم أن الأمر من قبلها أتى (7) ، فقال القصيدة، ومطلعها (8) :

قَالَتْ لَهُ يَوْمَاً تخَاطِبُهُ

نُفُجُ الحَقِيبَةِ غَادَةُ الصُّلْبِ

والموقف الذي تمخضت عنه القصيدة يكاد يكون تكراراً للموقف الذي تمخضت عنه قصيدته الأولى والاختلاف بينهما يقتصر على بعض التفصيلات، والشخصيات، ولكن جوهر التجربة وباعثها في نفس حسان واحد.

... والقصيدة الثالثة التي خلت من المقدمة في شعر حسان الجاهلي قالها في الرد على قصيدة لقيس بن الخطيم (ت620هـ) يوم السرار (9) ، ومطلعها (10) :

لَعَمْر أبيكِ الخَيْرِ يا شَعْثَ مَا نَبَا ... عَلَيَّ لِسَاني في الخُطُوبِ وَلاَ يَدِي

وفيها يمزج الفخر بالتهديد، فهو يبدأُها بالفخر بمجمل القيم الجاهلية من شجاعة، وكرم ومقدرة شعرية، وقدرة على قطع الصحاري الموحشة على ناقة قوية ظهرت في جلدها آثار الأنساع، يواصل عليها السير ليلاً ونهاراً حتى تبلغه أبواب ملك الحيرة، ويختمها بتهديد قيس بن الخطيم، وقومه الأوس، بأنهم سيلقون من الخزرج ليوثاً تدافع عن عرين وتحمي أشبالاً، ويعيرهم بالهزيمة، والقعود عن الأخذ بالثأر، وعن بلوغ العلياء، ثم يتهم قيس بن الخطيم بأنه لا شأن له بالحرب، لأنه إنما يجيد مغازلة النساء، ومعابثتهن، والتكحل مثلهن.

... ومن الواضح أن حساناً وجد نفسه مضطراً إلى الرد السريع على خصمه ابن الخطيم، الذي هجا الخزرج وافتخر عليهم بعد قتال بالسرارة استمر أربعة أيام، نال فيها كل فريق من خصمه، وأثخن فيه (11) . وأمام تلك الظروف الحرجة لم يجد حسان من الوقت ما يتيح له التريث بين يدي القصيدة، أو التمهيد لها بمقدمة ما، لإلحاح الرد على نفسه، وإحساسه بضرورة مقابلة فخر قيس وهجائه بفخر وهجاء مثلهما أو أشد.

... والقصيدة الرابعة من هذه القصائد قالها حسان في هجاء شاعر أوسيّ آخر هو أبو قيس بن الأسلت (12) (ت قبل الهجرة بقليل) ، بعد لقاء بين الأوس والخزرج بالبويلة (13) ، اقتتل فيه الفريقان قتالاً شديداً، ودارت فيه الدائرة على الأوس، فقالها حسان يهجو أبا قيس والأوس ويفتخر عليهم، ومطلعها (14) :

أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا قَيْسٍ رَسُولاً

إِذَا أَلَقى لَها سَمْعاً يَبِينُ

.. وبعد أن يلتمس من يبلغ عنه رسالة إلى أبي قيس يذكره بهزيمة الأوس يوم الجسر، حيث قتل الخزرج والده. وما يلبث أن يهدده بغارة تحيط بالأوس من كل ناحية، يخضع لها عزيزهم، وتسقط لهولها الأجنة من بطون الحوامل، وتشيب الناهد العذراء، ويتشتت فيها شمل الأوس. ثم يوجه خطابه إلى أبي قيس قائلاً: تلك غارة يجود فيها غيرك بنفسه، وتضن فيها بنفسك الخبيثة خشية الموت، فتسمع الصرخات والاستغاثات، وتدعى للقتال، ولكنك تتظاهر بالصمم، وليس بك صمم. ثم يعيره بمن قتل من الأوس.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٣١