ج. تبين للباحث بعد هذه الدراسة أن النطق بحرفي النون والميم وما في حكمهما يتم بأن يصل الصوت الصاعد من التجويف الحنجري بعد جهره إلى مقدم اللسان مع النون أو الشفتين مع الميم فيجد الغلق فيعود كما ذكرنا سابقا مباشرة إلى الخلف ليجد اللهاة قد هبطت لتفتح طريق الأنف فيخرج منه الصوت مكونا صويت الغنة. فإذا تكون الصوت بهذه الكيفية معا ودفعة واحدة حصل ما يسمى بالصوت الأنفي (ذي الغنة) في اللغة العربية من الناحية العامة مما يعني أن لكل من حرفي الميم والنون وما في حكمهما في أصل وضعهما نطقين أو مخرجين على القول بجعل الأنف مخرجا لبعض الحروف العربية حيث يتم نطقهما من المخرجين في وقت واحد فيكون معهما عمل من الفم وعمل في الأنف أو الخياشيم وذلك لتوزع الصوت الصاعد من التجويف الحنجري إلى المخرجين. ويعد هذان الحرفان وما في حكمهما في اللغة العربية من الحروف الذلقية لكثرة دورانها في الكلام كما نص القدماء من علماء اللغة العربية والنحو على ذلك من الحروف الصوامت الأخرى كما تمتاز عليها أيضا بميزة الوضوح السمعي كالصوائت ولهذا تبادلت المواقع مع الصوامت في كثير من الألفاظ العربية فقالوا: غس وغمس وانغمس، وعصل وعنصل وهو نبات، وشبث وشنبث علق، وسبل وسنبل للزرع، وشظر وشنظر شتم، والرس والرمس للقبر، وقرص وقرمص حمض، والعباس والعنبس للأسد وتحدس الأخبار وتحندس الليل) ، بل عدت لما اشتملت عليه من صفة الغنة لدى كثير من أئمة اللغة والنحو والقراءات القدماء أصواتا بينها وبين أصوات المد واللين مناسبة وعلاقة، فحسن لذلك إطالة الصوت بصويت الغنة الذي فيها عند مجاورتها لحروف الإدغام أو الإخفاء أو الإقلاب من قبيل أنه لا يمكن أن يزاد إلا في طول زمن أصوات المد واللين دون أصوات الصوامت هذا من ناحية، ولئلا يفنى صويت الغنة الذي فيها حينئذ لمشاركتها أصوات المد واللين في صفة الخفاء لاتساع مخرجها، بخلاف سائر الحروف فأحاطت
باتساعهم بذلك المخرج بحروف الفم فشاركتها بالإحاطة فخفيت عندها، فحرص لذلك القراء منذ القدم على إطالة صويت غنتها ليحولوا بين حروف الميم والنون وما في حكمهما وفنائها فيما بعدها من حروف الفم كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق. ومظهر هذه الإطالة هو فيما رأينا سابقا زيادة زمن صويت الغنة عند النطق مع تردد موسيقي محبب فيها، فالزمن الذي يستغرقه النطق بصويت الغنة هو في معظم الأحيان ضعف ما تحتاج إليه النون والميم وما في حكمهما المظهرة، وليس هذا إلا للحيلولة بينها وبين الفناء في غيرها فالفرق بين النون المظهرة وصويت الغنة مثلا فرق في الكمية من ناحية وزيادة في النطق الأنفي معها الذي يكسب صوتها رنينا وحسنا في السمع وجرسا موسيقيا محببا يجذب النفس ويجعلها متقبلة لما يلقى إليها من القول.
د. النطق بالنون الساكنة وما في حكمها ميما قبل الباء مع مراعاة صويت الغنة والإخفاء في الحرف المقلوب وذلك توصلا إلى التجانس الصوتي بين النون والباء التي تليها ووجه القلب كما أوضحنا سابقا أنه لم يحسن الإظهار لأنه يستلزم الإتيان بصويت الغنة في النون وما في حكمها ثم إطباق الشفتين من أجل النطق بالباء عقب هذا الصويت وفي ذلك عسر وكلفة في النطق به وكذلك لم يحسن الإدغام لبعد المخرج وفقد السبب الموجب له فلما لم يحسن الإظهار ولا الإدغام تعين الإخفاء ثم توصل إليه بالقلب ميما لمشاركتها للباء مخرجا وللنون في صفة صويت الغنة.
هـ. اتضح للباحث بعد استقراء صور التمثيل الطيفي للجهاز الصوتي التي تمت لمادة النص أن صويت الغنة في حالة إدغام النون الساكنة والتنوين في الياء والواو صويت غنة المدغم وهو النون الساكنة والتنوين، وفي حالة إدغامهما في النون صويت غنة المدغم فيه وهو النون من ينمو، وفي الميم صويت غنة المدغم فيه وهو الميم لا صويت غنة النون حيث بدا ظاهرا على صور التمثيل الطيفي أن النون الساكنة والتنوين حالة إدغامهما في الميم انتقلتا إلى لفظها.