يخفيان عنده (1) . والرأي عند معظم أهل الأداء أنه متى كان المدغم فيه حرفا أغن كانت الغنة ظاهرة للمدغم فيه كالنون بخلاف الواو والياء فإنهما لما كانا حرفين غير أغنين كانت الغنة فيهما للمدغم (2) ، واختلفوا مع الميم فذهب ابن كيسان النحوي وابن مجاهد المقرىء ونحوهما إلى أنها غنة النون تغليبا للأصالة، وذهب الجمهور إلى أنها غنة الميم كالنون في أنه غنة المدغم فيه وهو اختيار الداني والمحققين وهو الصحيح لأن الأولى قد ذهبت بالقلب عندهم فلا فرق في نظرهم بين (من من) وبين (أم من) وهذا بخلاف الواو والياء فإنهما لما كانا غير أغنين كانت الغنة فيهما للمدغم (3)
2. نرى نحن المحدثين من الأصواتيين في تحليلنا لهذه الظاهرة الصوتية (صويت الغنة) التي تصحب النون والميم وما في حكمهما عند التقائها بأصوات الحروف في الأداء القرآني شيئا آخر، فبعد التأمل في كيفية أداء الناطقين لهذه الظاهرة الصوتية من الناحية الفسيولوجية في ضوء بعض الحقائق الصوتية التي تمدنا بها الأجهزة المختبرية الحديثة كما أشارت إليها هذه الدراسة التي بين أيدينا نرجح بعض الأمور:
1. أن النون الساكنة وما في حكمها مثلا تنطق كاملة مع الإظهار من مخرجها الذي هو طرف اللسان، وبصفتها وهي الغنة التي تنطق من الأنف. وتؤدى مع الإدغام بدون غنة مع اللام والراء حيث تتحول إلى لام مع اللام، وراء مع الراء، فيضيع مخرجها وصفتها، وتنطق مع الإدغام بغنة عن طريق إلغاء المخرج وإبقاء الصفة التي هي الغنة (والتي مخرجها من الأنف أو الخيشوم) ، وأثناء النطق بها في الإدغام بغنة مع أصوات الحروف (ي، و، م) مثلا يحدث تزامن في النطق، فيخيل للسامع أن الياء مثلا في " من يهدي " مشددة، وأن الواو مثلا في " من وال " مشددة كذلك … إلخ، وليس هناك تشديد في الحقيقة، إذ لو كان هناك تشديد للاحظنا على صورة المطياف ما يوحي بذلك، ولسمعنا الياء والواو في هذين المثالين ونحوهما من آي القرآن الكريم مشددتين بدون غنة، لكننا نسمع الغنة مع نطقنا للنون الساكنة الواردة قبلهما كذلك ونلاحظ امتداد المكونات أو المعالم لصويت الغنة على صورة المطياف من القاعدة إلى القمة (من المكون الأول إلى الثامن) ، وانتظام حزمه الصوتية التي نراها في هيئة بقع سوداء داكنة وانتشارها دون انقطاع من بداية النطق به إلى انتهائه في السلسلة الكلامية،وهو ما نلاحظه بصفة عامة في الطريقة التي يسلكها صوت المد في الأداء السياقي، مما يرجح القول بأن هناك تشابها واضحا بين صويت الغنة وصوت المد (الحركة الطويلة) في النطق والمكونات، المسألة إذن تزامن نطق وليس تحويل مخرجهما ونحوهما كما نص القدماء من علماء القراءات على ذلك إلى مخرج النون أو العكس. أما في الإخفاء فيرى المحدثون من الأصواتيين أنه لإخفاء النون الساكنة والتنوين مثلا مع حروف الإخفاء لا ينتقل مخرجهما _ كما يرى القدماء من القراء وأهل الأداء إلى قرب مخرج الحرف الذي يخفيان عنده، لأن هذا مخالف عندنا للحقيقة الصوتية.فعند إخفاء النون الساكنة والتنوين مثلا في نحو قوله تعالى"
أن كان ذا مال وبنين " يحدث أن النون يسقط مخرجها بمعنى أننا لا نجعل طرف اللسان يلتصق بما يقابله من مقدم الحنك، بل نجعل الصوت يمر من الأنف لكي ننطق صويت الغنة التي هي الصفة الجوهرية المشخصة للنون، وبذلك تكون النون قد حذف منها شطرها الأول وهو المخرج ويبقى منها الشطر الآخر وهو الصفة، وبعد الانتهاء من نطق صويت الغنة نبدأ في نطق حرف الإخفاء وهو الكاف في مثال الآية التي معنا، فالملاحظ أنه ليس فيها انتقال مخرج النون إلى ما يقرب من حرف الإخفاء ولا انتقاله إلى مخرج حرف الإدغام بغنة، ولا تشديد كما تؤكده المشاهدة وتعضده الأدلة المشار إليها في هذا البحث.