تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلم يذكر التصغير والتكسير والنسب والإمالة ونحوها؛ لأنها تشترك في أمور هي من مباحث النحو على ما رأى ابن عصفور، مع أنه أشار إلى أنها تصريف؛ وكأنه أراد أن يكون كتابه خلوًا من المباحث المشتركة مع النحو.

ومع كثرة دراسة هذه المباحث، وتعاقب عدد من النحويين والصرفيين على دراستها، أصبحت علمًا على التصريف أو الصرف، ولهذا ضمت هذه المباحث مع بعضها في المؤلفات، بحيث أصبحت جزءًا أو قسمًا من المؤلَّف، إما في أول الكتاب، أو آخره، أو مستقلة في تأليف مخصوص.

ترتيب الأبواب الصرفية

معنى الترتيب:

يُقال: رتّبت الشيء ترتيبًا، ورَتُب الشيء يرتب رتوبًا، أي ثبت، ومنه الرُّتبة، وهي المنزلة، وكذلك المرتبة، فالترتيب هو: جعل كل شيء في مرتبته (1) . وقيل: هو» جعل الأشياء الكثيرة بحيث يُطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر (2) «.

أما ترتيب الأبواب الصرفية ومسائلها فهو ضمّ بعضها إلى بعض، وتقديم بعض الأبواب والمسائل على بعض أو تأخيرها لعلّةٍ اقتضت هذا التقديم أو التأخير. وهذه العلّة هي ميدان هذا البحث، وسيقوم البحث بالنظر إلى المباحث الصرفية التي تقررت عند سيبويه، وذكرها غيره كأبي علي الفارسي، وابن الحاجب، وليس المقصود بالبحث النظر إلى مفهوم التصريف عند سيبويه ومن سار معه، وإنما إلى مجموع المباحث الصرفية التي تقررت في كتابه ودرج عليها من بعده.

وتعددت المؤلفات في الصرف، ومع تعددها وتنوعها إلاّ أنها اتخذت أشكالاً متعددة في عرضها، وترتيبها، فمنها ما جاء الصرف فيه مقترنًا بالنحو في مؤلف واحد، ومنها ما استقل الصرف فيه بالتأليف، وسنعرض للأمرين معًا.

أ/ الجمع بين النحو والصرف:

ظهر الصرف مقترنًا بالنحو في التأليف، ولم يظهر التفريق بينهما إلاّ في مرحلة متأخرة -كما سبق بيانه- ومع أنّ الصرف ظهر في المرحلة الثانية مستقلاًّ وبدأ يأخذ طريقًا غير طريق النحو إلاّ أنه ظل قرين النحو في المؤلفات، ولهذا كثرت المؤلفات التي جمعت النحو والصرف في التأليف أكثر من المؤلفات التي أفردت أحد العلمين بالتأليف.

ولعلّنا نجد تفسيراً لهذا الجمع في ما ذكره أبو عليّ الفارسيّ في التكملة من أن النحو» علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب (1) «. ولا شكّ أن الكلام له أجزاء، منها ما يتعلق بذات الكلمة إفرادًا، ومنها ما يتعلق بارتباطها مع غيرها، فالأول صرف، والثاني نحوٌ أو إعراب، ولأجل هذا الترابط تم الجمع بين مباحث النحو ومباحث الصرف؛ لأنهما مكمّلان لصحة النطق بالكلمة على الوجه السليم الذي ورد عن العرب؛ ومن المعلوم أيضًا أنه لا يغني صحة جزء الكلمة، والخطأ في جزء آخر، وإنما الصواب تكامليّ.

ولا يخفى أن كثيرًا من المؤلفات كانت تستهدف التعليم، ولهذا تنوعت في أساليبها وطرق عرض مادتها، مع أن المادة في كثير منها واحدة.

ولا نبالغ إذا قلنا إن ما في كتاب سيبويه سواءً أكان ذلك في المباحث النحوية أم الصرفية لم يختلف أو يتغير عند النحاة المتأخرين، وكان جلّ شغلهم شرح ما في الكتاب، أو بيان غوامضه، أو عرض مادته بطريقة جديدة، وإن جاء أحدٌ بجديد فهو قليلٌ، إلاّ إن كان اعتراضًا أو استدراكًا.

وممّن جمع بين النحو والصرف: سيبويه في الكتاب، والمبرد في المقتضب، وابن السرّاج في الأصول، والصيمري في التبصرة، والزمخشري في المفصل، والعكبري في اللباب، وابن معطٍ في ألفيته، وابن مالك في ألفيته، وفي الكافية الشافية، وفي التسهيل، وأبو حيان في ارتشاف الضرب، والسيوطي في همع الهوامع، وغيرهم كثير، وبخاصة ممن اعتمد على الألفيات والمتون فشرحها.

غير أن هؤلاء يختلفون في طرق عرض موادهم العلمية على النحو التالي:

أولاً: عرض أبواب الصرف ومباحثه متفرقة ومتداخلة:

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦٩٩