د) توطين البادية: عمل الملك عبد العزيز رحمه الله على توطين البادية، وتحويل نمط حياتها المعيشيّة من طور الرعي والإرتحال والعيش في الأكواخ والخيام الشعر إلى الإستقرار والبناء في الهجر وهي الأماكن التي تقع قريبة من المياه، وحدد لهم نظاماً لتوزيعها وأمر بإرشادهم وتعليمهم أساليب الري والزراعة واستصلاح الأراضي واستثمارها وتوفير البذور فاتسعت رقعة ومساحة الأراضي الزراعية (2) ، وانتشرت الهجر فبلغت ما يقرب من مائة واثنين وعشرين هجرة، موزعة على مختلف مناطق المملكة تضم مالا يقل عن اثنتي عشرة قبيلة يصل عدد أفرادهم حوالي ثمانين ألف نسمة (3) . فظهرت الألفة بين القبائل بحكم الجوار والاستقرار والتقارب وأخذت تتزاوج من بعضها البعض وشجعهم الملك عبد العزيز على ذلك وضرب لهم في ذلك المثل بنفسه حيث تزوج رحمه الله من عدد من القبائل. فازدادت الروابط والصلات والمؤاخاة بدلاً من الغزو والسلب والنهب الذي كان سائداً من قبل.
هـ) الاهتمام بنشر العلم: عندما دخل الملك عبد العزيز رحمه الله مكة المكرمة دعا العلماء فيها، وحثهم على نشر العلم والتعليم وتنظيمه والتوسع فيه (1) . ثم أمر بإنشاء مديرية المعارف في عام 1344 هـ وأسند إليها الإشراف على جميع المدارس في الدولة، وعهد إليها بإنشاء المدارس والمعاهد وتنشيط الحركة العلمية، فأنشئت في عهده رحمه الله الكثير من المدارس في المدن والقرى (2) .
وعلى الرغم من قلّة الموارد المالية في ذلك الوقت إلاّ أنه كان التعليم فيها بالمجان وقد استعين في التدريس بالعديد من المدرسين في الدول المجاورة كمصر وسوريا وقد ذلل رحمه الله جميع المعوقات والصعوبات التي كانت تواجه نشر التعليم في المملكة. ولاشك أن التعليم ومحاربة الجهل يعتبر من أهم وسائل البناء والتنمية للمجتمعات، ويمثل حجر الزاوية في تحقيق التقدم والإزدهار والتقارب والإندماج.
و) العمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية: حرص جلالة الملك
عبد العزيز رحمه الله على تحسين الأوضاع الاقتصادية للمملكة ورفع المستوى المعيشي فيها وذلك بوضع برامج إصلاحية تهدف إلى القضاء على الفوضى النقدية، وربط الأسواق المحلية، وتوفير مصدر دخل قومي يمكن الإنفاق منه على برامج التنمية في جميع مناطق المملكة. فبدأ رحمه الله بالإصلاح النقدي حيث تم في عام 1344 هـ سحب جميع العملات المختلفة التي كانت تتداول في مناطق المملكة وحل محلّها الريال المجيدي العثماني كخطوة أولى لتوحيد وسيلة الدفع في البلاد، وفي عام 1346 هـ قام بسك الريال الفضي، وهو يعادل تقريباً نفس وزن الريال المجيدي العثماني، ويحمل اسم ملك الحجاز وسلطان نجد، وبعد ذلك تم إصدار ريال فضي جديد يحمل اسم المملكة العربية السعودية وهو يعادل وزن الروبية الفضية الهندية.
ثم أنشأ رحمه الله في عام 1371 هـ مؤسسة النقد العربي السعودي لتكون بمثابة البنك المركزي للدولة. ومن أهم مزايا هذا الإصلاح النقدي زيادة الربط بين الأسواق المحلية وتشجيع حركة التبادل فيما بينها (1) . ثم قام رحمه الله بإنشاء بعض الطرق التي تربط بين أقاليم المملكة، ويأتي على رأس هذه الطرق خط السكة الحديدية الذي يربط بين العاصمة الرياض والمنطقة الشرقية، مما شجع على زيادة حركة التجارة الداخلية، وزيادة التقارب والإندماج. وأمّا بالنسبة للمحاولة على توفير مصدر دخل قومي يمكن الإنفاق منه، فقد أجرى الله سبحانه وتعالى الخير على يد جلالته فقام بمنح شركة ستاندرد أويل أوف كالفورنيا الأمريكيّة حق امتياز التنقيب عن البترول في المنطقة الشرقية. وتم اكتشاف البترول في المملكة لأول مرّة عام 1357 هـ. وبالطبع لم تكن العوائد المحققة من البترول آنذاك بدرجة تمكن من تحقيق تنمية شاملة في جميع أنحاء المملكة ولكنها كانت البداية، حيث أخذت عملية التحوّل من المجتمع القبلي إلى المجتمع القومي في التزايد بمعدل سريع بعد اكتشاف البترول (2) ، مما أدّى إلى مزيد من التقارب والاندماج.