وكانت الجزيرة العربية قبل توحيدها تسود فيها الحياة القبلية التي تعتمد على منطق القوة والعنف والمنازعات إضافة إلى انتشار كثير من البدع والخرافات والجهل، ومن الطبيعي أن مجتمعاً هذه سماته يكون مفتقداً للتنمية ومن ثم للتقارب والإندماج فكان التفكك والتباعد هو السائد بين القبائل، حتى أن أرض الجزيرة كانت مفتتة بين إمارات عدّة، فحكم الحجاز وعسير كان للأشراف فعلاً وتحت الحكم العثماني إسماً، أمّا نجد فكان حكم العيينة لآل معمر، وحكم الرياض لدهام بن دواس، وحكم الخرج لآل زامل، وحكم الدرعية لآل سعود (2) . وكانت هذه الأمارات منعزلة عن بعضها البعض بسبب صعوبة التضاريس وعدم وجود طرق ممهدة تربط بينها أو وسائل إتصال حديثة، إضافة إلى قسوة المناخ الصحراوي، وإنتشار قطاع الطرق وعدم توفر الأمان في ذلك الوقت، وكذلك الأمر من الناحية الاقتصادية فلم تكن تربطها أية علاقات بل كانت عبارة عن أسواق مقسمة ومتباعدة ومترامية الأطراف ومما ساعد على ذلك اختلاف العملات والنقود المتداولة فيها فعلى سبيل المثال كان يتم التداول في الحجاز (المنطقة الغربية) بالريال المجيدي العثماني والريال الهاشمي وريال ماريا تريزا والروبية الهندية وكلها كانت مسكوكة من الفضة إضافة إلى الجنيه المصري، والجنيه الإنجليزي وكانا مسكوكين من الذهب. أمّا نجد (المنطقة الوسطى) فكان يقوم فيها التداول عن طريق نظام المقايضة حيث كانت منطقة شبه مغلقة وإن كان قد عرف فيها بعض العملات النحاسية من أصل عثماني أو مصري.
وفي المنطقة الشرقية كانت الروبية الهندية هي السائدة، أما المنطقة الجنوبية فقد كان يتم فيها تداول الريال الفرنسي الفضي (1) .
وقد قام جلالة المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله بأعمال وتنظيمات مختلفة أدت إلى المساهمة في البدء في البرامج التنموية للمملكة وإلى مزيد من التقارب والإندماج في المجتمع السعودي ومن أهمها:
أ) نشر الوعي الديني والدعوة الإسلامية: اعتمد الملك عبد العزيز في تأسيس الحكم على المنهج الإسلامي، ولذلك فإن القواعد التنظيمية التي سار عليها في منهجه السياسي وجميع التغييرات التي أحدثها سواء أكانت اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية كانت مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله (ومقيدة بتعليم ومبادئ الإسلام (2) . ومن هنا فقد اهتم رحمه الله بنشر الوعي الديني بين القبائل والعشائر في الحاضرة والبادية فأمر ببناء المساجد وعيّن فيها الأئمة والخطباء، وأرسل لهم العلماء والوعّاظ لإرشاد الناس إلى التمسك بهدي الإسلام وبالقيم الدينية وبينوا لهم الحدود الشرعية وأخذوا يفقهونهم بالحلال والحرام، وأن المسلم دمه وماله وعرضه حرام. وأن الإيمان لا يكتمل للإنسان المسلم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
ب) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أخذ الملك عبد العزيز رحمه الله بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعد له جهازاً تنظيمياً رسمياً، يهدف إلى إصلاح المجتمع وإرشادهم إلى الطريق الصواب ومحاربة البدع، والمحافظة على إقامة الشعائر الدينية وأداء الصلوات في أوقاتها. ومراقبة الأسواق للتأكد من عدم الإختلاط أو إيذاء الرجال للنساء والحث على التستر والإحتشام، وزجر وتأديب صاحب السلوك المنحرف أو إحالته إلى الجهات المختصة لمعاقبته (3) .
ج) توفير الأمن والسلامة والطمأنينة: شهدت الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله عهداً من الأمن والطمأنينة لم تعرفه منذ فترة طويلة من الزمن، فاختفت الجرائم لأنه أقام الحدود الشرعية بالقصاص من القاتل وقطع يد السارق والجلد في الجرائم الأخلاقية. وأصبحت طرق القوافل آمنة للحجاج والمسافرين. وألغى الضرائب أو الخوّة التي كانت تفرضها القبائل على كل من يمر في حماها أو المدى الذي يقع تحت نفوذها، ودعا شيوخ القبائل وأبلغهم بأن كل واحد منهم سيصبح مسئولاً عن كل ما يقع في مدى عشيرته. فأمنت النفوس وأطمأنت وازدادت الصلة بين الناس والتقارب والإندماج وارتبطت المناطق والأقاليم بعضها ببعض بعد التفتت والفرقة والإنقسام (1) .