يذهب، فأبيت عليها، وركبت فقفوت الأثر حتى لحقته، وشددت عليه فانفرج عنه أصحابه، فقتلته، وطلبت أصحابه فهربوا عني، وأخذت فرسه، وسمط رأسه، ورجعت إلى الدير فألقيت الرأس، ودعوتها ومن معها من نسائها وخدمها فوقفن بين يدي، وأمرتها بالرحلة ومن معها على دواب الدير، وسرت بهن إلى العسكر، حتى دفعت بهن إلى الوالي، فجعل نفلي منهن، فتنفلت المرأة بعينها، وسلمت سائر الغنيمة في المقسم، واتخذتها فهي امرأتي. قال أبو مروان: وكان أبوها بطريقاً من بطارقة الروم، له شرف، فكان يهاديه، ويكاتبه (1) .
[121] ابن عائذ، عن الوليد، قال: سمعت عبد الله بن راشد مولى خزاعة (1) ، يخبر عن من سمعه من البطال، يخبر أن هشاماً، أو غيره من خلفاء بني أمية كان قد استعمله على ثغر المصيصة (2) وما يليها، وأنه راث عليه خبر الروم، فوجه سرية لتأتيه بالخبر عن غير إذن من الوالي، قال البطال: فتوجهوا وأجلتهم أجلاً، فاستوعبوا الأجل، فأشفقت من مصيبتهم، ولائمة الخليفة، وضعف أميرهم، فخرجت متوحداً، حتى دخلت في الناحية التي أمرتهم بها، فلم أجد لهم خبراً، فعرفت أنهم أخبروا بغفلة أهل ناحية أخرى، فتوجهوا إليها، وكرهت أن أرجع ولم أستنقذهم مما هم فيه، إن كان عدو يكاثرهم، أو أعرف من خبرهم ما أسكن إليه، فلم أجد أحداً يخبرني بشيء، فمضيت حتى أقف على باب عمورية (3) ، فآمره بفتح الباب، ففعل، وأدخلني، فلما صرت إلى بلاطها وقفت، وأمرت من يشد يدي إلى باب بطريقها، ففعل، ووافيت باب البطريق قد فتح، وجلس لي، ونزلت عن فرسي وأنا متلثم بعمامتي، فأذن لي، ومضيت حتى جلست على مثال إلى جانب مثاله، فرحب وقرب، وقلت: أخرج من أرى، فإني قد حملت إليك، فأخرجهم، وشددت عليه حتى غلق باب الكنيسة وعاد إلى مجلسه، واخترطت سيفي فضربت به على رأسه، فقلت له: قد وقعتَ بهذا الموضع، فأعطني عهداً حتى أكلمك بما أردت حتى أرجع من حيث جئت لا يتبعني منك خلاف، ففعل، فقلت: أنا البطال، فاصدقني عما أسألك عنه وانصحني، وإلا أجهزت عليك، فقال: سل عما بدا لك، فقلت السرية؟ فقال: نعم، وافت البلاد غارة لا يدفع أهلها يد بالأمس، فوغلوا في البلاد، وملأوا أيديهم غنائم، وهذا آخر خبر جاءني أنهم بوادي كذا وكذا، فصدقتك، وليس عندي من خبرهم غير هذا. فغمدت سيفي، وقلت: ادع لي بطعام، فدعا، ثم قمت، وقال: اشتدوا بين يدي رسول الملك حتى يخرج، ففعلوا، وقصدت إلى السرية حتى قدمت عليهم وخرجت بهم بما غنموا، فهذا
أعجب ما كان (1) .
[122] قال: ونا الوليد، قال: وأخبرني بعض شيوخنا، قال: رأيت البطال قافلاً من حجه السنة التي قتل فيها رحمه الله، وهو يخبر أنه لم يزل فيما مضى من عمره مشتغلاً عن حجة الإسلام بما فتح له من الجهاد، وسأل الله الحج والشهادة، فإن الله قد قضى عنه حجته، وهو يرجو أن يرزقه الشهادة في عامه هذا، ثم مضى إلى منزله، وغزا من عامه فاستشهد (2) .
[123] محمد بن عائذ، عن الوليد، قال: وأخبرني عبد الرحمن بن جابر: أن هشاماً تابع إغزاء معاوية بن هشام (3) الصائفة سنين، يفتح له فيها الفتوح، حتى توفي معاوية بن هشام، ثم ولي بعده سليمان بن هشام (4) الصوائف سنيات لا يليها غيره،فخرج في سنة من ذلك في بعث كثيف، ووجه مقدمته في ثمانية آلاف، عليها مالك بن شبيب (5) ، وأصحبه البطال، وأمره بمشاورته والأخذ برأيه، فخرج معه حتى وغل في أرض الروم ... قال ابن جابر: فحدثني من سمع البطال يخبر مالك بن شبيب وهو بأقرُن (6) ، أن بطريق أقرن أرسل إليه، لصهر بينه وبينه، أنه يأتيه حتى يكلمك بكلام لا تحتمله الرسالة، قال: فخرجت إليه حتى كلمني من بين شرافتين، وهو يحسب أني أمير الجيش، قال: وفي كم أنت؟ فقلت: في كذا وكذا ألفاً، وزدت، فقال: ما أدري ما تقول، إلا أن أصحابك أقل مما قلت، وبيننا وبينك من الصهر ما قد علمت، وهذا إليون قد أقبل في نحو من مائة ألف، وهو يريدك، لما بلغه من قلة جيشك، فما كنت صانعاً فاصنعه في يومك هذا، فإني قد أخبرتك الخبر، فانظر لنفسك، وها أنا قد أخبرتك الخبر فانظر لنفسك ومن معك، قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تأتي إسناده، فإنها مثغرة مفتوحة، فتدخل فيها، وتشد من ثغرها، وتقاتلهم من وجه واحد، حتى يأتيك سليمان بن هشام بالصائفة، فقال من عند مالك من قومه: أراد والله العلج أن يلحق بك سماعها وعيبها، فأخذ مالك بقولهم، فقام عنه البطال، ومضى