[78] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: وفي سنة سبع وتسعين غزا مسلمة في البر وغزا ابن هبيرة في البحر. قال الوليد: حدثني الليث السامي، قال: غزونا القسطنطينية مع مسلمة سنة سبع وتسعين، وعلى جماعة الناس مسلمة بن عبد الملك، وعلى أهل البحر عمر بن هبيرة الفزاري (1) ، فكنت فيمن غزا مع عمر، فلما هبطنا على المسلمين صفوا لقتال أهل القسطنطينية صفين،لم أر صفين قطُّ أطولَ منهما (2)
[79] ابن عائذ، حدثنا الوليد، قال: قال الليث: كنت ممن غزا على اسمه وعطائه بفيء عمر بن هبيرة، إذ ولاه سليمان غازية البحر، رافقت أخي أبا خراسان في مركب، فسار بنا عمر حتى مررنا بأهل مصر، فتبعونا ومضينا حتى أتينا أطرابلس أفريقية، وعلونا أرض الروم حتى إذا حاذتنا القسطنطينية سرنا في بحر الشام حتى دفعنا إلى خليج القسطنطينية، فخرجنا في الخليج على باب القسطنطينية، لنجيز إلى مسلمة ومن معه من المسلمين، وصف مسلمة من معه من المسلمين صفاً لم أر قط أطول منه، مع الكراديس (3) الكثيرة، وجلس ليون طاغية الروم على برج باب القسطنطينية وبروجها، ويصف منهم رجاله فيما بين الحائط والبحر صفاً طويلاً بحذاء صف المسلمين، وأظهرنا السلاح في ألف مركب؛ بين محرقات وقوادس، فيها الخزائن من كسوة مصر وما فيها مما إليه، والمعينات (4) فيها المقاتلة، قال الليث: فما رأيت يوماً قط كان أعجب منه، لما ظهر من عدونا في البر والبحر، وما أظهرنا من السلاح، وما أظهر طاغية الروم على حائط القسطنطينية، وصفهم ذلك والعدة، ونصبوا المجانيق والعرادات، فتكبر المسلمون في البر والبحر، ويظهر الروم قبلها قريا السين [كذا] لكعّ ابن هبيرة وجماعة من معه من السفن عن الإقدام على باب المينا، لما هابته على أنفسها، فلما رأت ذلك الروم، خرج إلينا من باب مينائهم معينات، أو قال محرقات، فمضى مركب منها إلى أدنى من يليه من مراكب المسلمين
، فألقى عليه الكلاليب بالسلاسل فاجتره حتى أدخله بأهله القسطنطينية، فأسقط ذلك في أيدينا، وخرجوا إلى مركب ليفعلوا ذلك به، فجعل ابن هبيرة يتجسر، ويقول: ألا رجل! فقام إليه أبو خراسان فقال: هذا أنا رجل، ولكنك صيرتني في المركب معك لبعض من لا غنى عنده، فقال له ابن هبيرة: فمر بما ترى ومر بما تحب، فأشار إلى مركب من الفرس يعرفهم بالشدة والبأس، فقال: ابعثني في قارب أنا وأخي، ومرهم بطاعتي، ففعل، فأمر أبو خراسان لنوتي المركب أن يوجهه إلى ذلك المركب الذي ذهب بالمسلمين، فكع عنه النوتي، فأشار إليه أبو خراسان بالسيف، فمضى به حتى ألصق المركب بمركبهم، ثم سار أبو خراسان حتى أوثقهما بسلسلة، لئلا يفر أحدهما عن صاحبه، قال: فاجتلدنا بأسيافنا فيما بين السفينتين، فرزقنا الله الظفر، فدخلنا سفينتهم، ووضعنا السيف فيهم، فانتهينا إلى قومس السفينة الذي فعل ما فعل، وقد ألقى بيضته، وجثا على ركبتيه شيخ أصلع فضربه صاحب لنا ضربه لم تغن شيئا، وتقدم إليه أبو خراسان فضربه ضربة شق منها هامته حتى نظرت إلى السيف قد أجاز إلى الذقن، إلى الحنجرة وما يليها، واستسلم من بقي منهم فقدناها إلى من يلينا من المسلمين، ورجعنا إلى من كان منهم، فدخلوا الميناء، ووقف أبو خراسان موقفاً حسناً يأمن به من فر منا إلى مسلمة ومن يليه، حتى مروا من آخرهم لم يصب منهم إلا ذلك المركب الأول، حتى انتهينا إلى مسلمة ومن معه، فأخذناهم إلى الخليج إلى السقع الذي على باب القسطنطينية، والبحر أو قال الخليج محيط بها إلا مما يلي برها، فعسكر عليه مسلمة، وكنا في سفننا مرسيين على ساحلها مما يلي العسكر؛ يخرج من سفننا عمر بن هبيرة وغيره إلى مسلمة ومن أردنا من أهل العسكر، ويأتينا أهل العسكر فيدخلون علينا في سفننا (1) .