تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[65] وثنا ابن عائذ، أنبأنا الوليد، قال: وأنبأنا غير واحد من مشيختنا: أن محمد بن مروان لم يزل والياً لعبد الملك على الجزيرة وأرمينية، يقاتل خوارج الجزيرة، وأهل جبال أرمينية وخزر ومن يليهم من تلك الأمم، حتى توفي عبد الملك، وولى ابنه الوليد بن عبد الملك الخلافة، فدعا إلى عزل محمد بن مروان والولاية إلى عمله من الجزيرة وأرمينية، فلم يقدم عليه أحد منهم، فأجابه إلى ذلك مسلمة بن عبد الملك، فسار إليها، وغزا كل من كان بالباب من الأتراك، فحاصرهم ورماهم بالمنجنيق، حتى فتحها الله، فأخرج أهلها، وثلم حائطها (1) .

[فتح حصن الطوانة] (2)

[66] محمد بن عائذ، قال: وأخبرني الوليد، قال: وحدثني من أصدق حديثه من مشيخة قريش: أنه بلغه أن الوليد بن عبد الملك لما عزم على غزو الطوانة،كاتب طاغية الروم بكتب أمر صاحب أرمينية أن يكتب بها إليه؛ مما اجتمعت به خزر من غزوة وقلة من معه وكثرة من يتخوفه من خزر ومن تأشب إليهم من ملوك جبال أرمينية ومن فيها من الأمم المخالفة للإسلام، ففعل ذلك صاحب أرمينية، وتابع كتبه، وقطع الوليد البعث على أهل الشام إلى أرمينية، وأكثفه، وجهزه، وقواه، واستعمل عليه مسلمة بن عبد الملك، وأعانه بالعباس بن الوليد (3) ، حتى يبلغ من جهازهم ما يريد، ثم سيرهم إلى الجزيرة، ثم أعطفهم إلى أرض الروم، ثم أمرهم بالنزول على الطوانة.

قال: ونا الوليد، قال: فأخبرني غير واحد ممن أدرك تلك الغزاة: أن الشتاء أكب على مسلمة ومن معه من المسلمين، حتى نفق عامة الظهر، وعرض لكثير منهم البطن، وتهتكت الأبنية من الجليد والثلج، فحفر المسلمون لأنفسهم الأسراب؛ يبيتون فيها ليلاً، ويظهرون نهاراً، حتى دعا ذلك أهل الطوانة الكتاب إلى طاغيتهم؛ يخبرونه بحالهم، وأنهم ينتظرون مادة وميرة تأتيهم، فإن كانت لك بنا حاجة فالآن، قبل أن يأتيهم المدد والميرة. قالوا: وكادوا المسلمين عند كتابهم، والبعثة به؛ بإخراج كلابهم ليلاً، فأخرجوا منها عدة كثيرة، وأخرجوا رجلين قد ألبسوهما جلود الكلاب بحيوان معهما، حتى نفذ أو سقط كتاب أحدهما، وأتى به مسلمة، ومضى رسولاهما إلى الطاغية، فخرج معيناً لهم نحو من مائة ألف، بالعدد والقوة والحبال والجوامع وبالعجل تحمل الأسواق والطعام، فبلغ مسلمة فأحضر كل فارس بقي فرسه وولى عليهم العباس بن الوليد، وأمره بمواجهتهم إذا هم قدموا، وثبت هو على دابته مع رجال العسكر وجماعتهم، مما يلي باب الطوانة. قال: وتقدم مقدمة الطاغية بحجرته ليضربوها ويعسكر بجنوده حولها، فهم عباس بالشدة على مقدمتهم، فقال مسلمة: لا تفعل حتى يتّاموا، فإذا انهزموا لم يكن لهم باقية، ولا فئة تلجأ منهزمتهم إليها، فقال العباس: تتركهم حتى تصير منهم ومن أهل الطوانة كالجالس بين لحيي الأسد، ثم بين عسكرين!! فحمل عليهم بمن معه من جنود المسلمين وفرسانهم، فقال مسلمة: اللهم إنه عصاني وأطاعك فانصره، فمضى عباس، وهزمهم الله، وولوا يقصف بعضهم بعضاً، حتى دفعوا إلى طاغية الروم وجماعة من جمعه، فثبت، ولجأت إليهم المنهزمة، فاقتتلوا قتالاً شديداً.

قال: أخبرني الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن المبارك: أنه أخبره، عن بعض مشايخ أهل الشام: أن عباساً لما استأخر عنه النصر، ورأى من ثبات الروم ما رأى، قال: يا ابن محيريز (1) ، أين الذين كانوا يلتمسون الشهادة؟ نادهم يأتوك، قال: يا أهل القرآن، يا أهل القرآن، فأتوه سراعاً، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وهزم الله الطاغية وجماعة من كان معه.

قال: ونا الوليد، قال: فأخبرني شيخ من الجند، عن شيخ من آل مسلمة شهد ذلك: أن العباس استأذن مسلمة أن يشد عليهم بجنده من أهل حمص ومن انتدب معه، فكان من هزيمتهم ما كان، ومضى العباس في طلبهم، حتى لقي الطاغية معه البطارقة وأبناء ملوكهم، وهو يسير في قباب الريحان، يجرها العجل، فشد عليهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل جماعة من المسلمين؛ منهم: أبو الأبيض العنسي (2) ، ثم إن الله هزمهم، وقتل منهم بضعة وثلاثين ألفاً وأسر أبناء الملوك والبطارقة، فأقبل بهم حتى أتى بهم مسلمة وجماعة المسلمين، فأوقفوهم على أهل الطوانة بعد ذلك، ففتّ في أعضادهم، وكان سبب فتحها، لانسلاخ ثمان وثمانين. فبلغ سهام المسلمين مائة دينار مائة.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦٤٥