[العصر الأموي]
[11] محمد بن عائذ، أنا الوليد بن مسلم، حدثني مبشر بن إسماعيل (11) ، عن جعفر بن برقان (12) ، عن أبي عبد الله؛ حرسي عمر بن عبد العزيز (13) ، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: حدثني حرسي معاوية أنه قدم على معاوية بطريق من الروم يعرض عليه جزية الروم، عن كل من بأرض الروم من كبير أو صغير جزية؛ دينارين دينارين، إلا عن رجلين؛ الملك وابنه، فإنه لا ينبغي للملك وابنه أن يجزيا، فقال معاوية - وهو في كنيسة من كنائس
دمشق -: لو صببتم لي دنانير جزية حتى تملؤوا هذه الكنيسة، ولا يجزي الملك وابنه ما قبلتها منكم، قال الرومي: لا تماكرني، فإنه لا يماكر أحد مكراً إلا ومعه كذب، فقال معاوية: أراك تمازحنى، قال الرومي: إنك اضطررتني إلى ذلك، وغزوتني في البر والبحر والصيف والشتاء، أما والله يا معاوية ما تغلبوننا بعدد ولا عدة، ولوددت أن الله جمع بيننا وبينكم في مرج ثم خلى بيننا وبينكم، ورفع عنا وعنكم النصر، حتى ترى، قال معاوية: ما له قاتله الله! إنه ليعرف أن النصر من عند الله (14) .
[12] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وحدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى (1) ، وغيره أن قيسارية فلسطين كانت آخر الشام ومدائنها وحصون سواحلها فتحاً، وأن طرابلس (2) دمشق كانت قبلها فتحاً بسنة، أو نحو
ذلك، وأن أهلها من الروم كانوا في منعة من حصنها، فذكرت ذلك لشيخ من أهل طرابلس، فحدثني أن معاوية بن أبي سفيان وجّه إليه سفيان بن مجيب الثمالي (3) في جماعة وعسكر عظيم، قال أبو مطيع: فعسكر في مرج السلسلة - بينه وبين مدينة أطْرَابُلُس خمسة أميال - في أصل جبل يقال له طربل، فكانوا هنالك، يسير إليهم منه، قال الشيخ: فحاصرهم سفيان ومن معه أشهراً حتى انحاز أهلها إلى حصنها الخرب اليوم - الذي عند كنيستها الخارجة منها قبل مدينة أطرابلس اليوم - فكتب إليه معاوية؛ يأمره أن يبني له ولأصحابه حصناً يأوي إليه ليلاً، ويغازيهم نهاراً، فبنى سفيان حصناً يقال له حصن سفيان، وهو اليوم يسمى كفر قدح، من مدينة أطرابلس، على ميلين ونحو ذلك، فلما رأى ذلك أهلها، واشتد عليهم الحصار، كتبوا إلى طاغية الروم، فوجه إليهم مراكب كثيرة، فأتوهم ليلاً فاحتملوهم فيها جميعاً؛ صغيرهم وكبيرهم، وحرقوها، وصبح سفيان وأصحابه الحصن فلم يجدوا فيه أحداً إلا يهودياً تحصن من النار في سرب فيها، فخرج من السرب فأخبرهم خبر الروم ومسيرها في السفن، قال الشيخ: فوجه إليها معاوية بن أبي سفيان ناساً من يهود الأردن، فأسكنهم إياها، فلم يزل على ذلك لا يسكنها غيرهم، حتى دخل رجل من الروم من أرض الروم، يقال له بقناطر لحدث كان منه بالروم، فأقبل بأهله وماله حتى استأمن، فأؤمن، فنزلها فلم يزل كذلك، حتى كان في زمان عبد الملك بن مروان، فكان يقطع إليها بعثاً من أهل دمشق صيفاً فإذا شتوا قفلهم، وشتا فرس بعلبك (4) ، فأقام فيها بقناطر زماناً حتى خرج أهل بعلبك منها، فلم يبق فيها من المسلمين إلا صاحب خراجها ورجلان معه،
فبينا هو كذلك إذ أتاه بقناطر في جماعة من أهل بيته فقتله، وقتل صاحبيه، وغلق باب المدينة، وأخرج من في الحبس، ثم قعد في مركبين من مراكب الصناعة، وأخذ ناساً من يهود وانطلق بهم حتى أتى بهم صاحب الروم، فبينا هو يسير في مركبه إذ لقيه مركبان للمسلمين، كان صاحب البحر وجههما من عكا (1) إلى قبرص (2) ، ليأتياه بالخبر، فلما رآهما بقناطر عرف صاحبي المركبين من المسلمين، وهما من بعلبك، يقال لأحدهما: قابوس، والآخر سابور، فقالا: أين بقناطر؟ فقال: أرسلني أمير المؤمنين إلى الطاغية، أعليكما له طاعة؟ قالا له: نعم، قال: فإنه قد أمرني أن أتوجه بكم معي في أمره، وأراهما كتاباً كتبه عليه طائع، فخرجا من مركبيهما حتى قعدا معه في مركبه، وأمر أهل مركبهما بالمضي، فمضوا، فأوثقهما، حتى أتى بهما ملك الروم، فقبل منه ملك الروم وعفا عنه، وصير الرجلين عند بطريق من بطارقة الروم، حتى جلس ملك الروم يوماً ينظر إلى شماس من أهل بعلبك هرب إليهم، يقلب بسيفه يعجبه، وقد كان قابوس سايفه ببعلبك، فقال قابوس: إن رأى الملك أن يأذن لي في مسايفته فعل، فأذن له، فلما تقدم إليه قال له قابوس: اربط في رأسك يا شماس صوفاً من ألوان، ففعل، فجعل قابوس يسايفه، يتطاير ألوان الصوف من رأسه، والشماس لا يبصر، حتى قال: خذها مني وأنا قابوس، قال