وأما الرأي الثاني لبعض من تعرضوا لهذه العلاقة فمفاده (أن الحضارة هي كل ما أبدعه العقل البشري في مجال الفكر والمعرفة وفي جوانب الحياة المادية أيضاً. بينما يرى آخرون أن الحضارة تختص بالتعبير عن الوسائل والإختراعات والإبتكارات الصناعية والمادية وحدها) (1) .
وفريق رابع يرى أن الثقافة تختص وتتعلق بالجوانب المعنوية والفكرية والحضارة تختص بالجانب المادي، ورأي خامس يرى أنه لا فرق أبداً بين الكلمتين فكل منهما مرادفة للأخرى.
ثانياً: العلاقة بين الثقافة والعلم:
لقد عرفنا في النقطة السابقة أن هناك علاقة بين الثقافة والحضارة وفي هذه النقطة قد نقدم الفروق قبل التوافق بين الثقافة والعلم (فبتأمل دقيق في مفهوم كل منهما يتضح لنا أن كلاً منهما معرفة، ولكن مع ذلك فإن هناك فروقاً جوهرية في كليهما للأمور التالية) (1) .
أ- ... العلم عبارة عن مجموعة من القواعد التي تؤخذ عن طريق التجربة والملاحظة والإستنتاج مثل العلوم التطبيقية كعلم الكيمياء والطبيعة وسائر العلوم التجريبية الأخرى. أما الثقافة فهي كما سبق مجموعة من المعارف تؤخذ عن طريق الأخبار والتلقي والإستنباط مثل التاريخ واللغة والفقه والأدب والتفسير والفلسفة والفنون كالتصوير والنحت وغيرها ذلك لأن التاريخ هو التفسير الواقعي للحياة والأدب هو التصوير الشعوري لها والفلسفة هي الفكر الأساسي الذي تبنى عليه وجهة النظر فيها والتشريع هو المعالجات العلمية لمشاكل الحياة والأداة التي يقوم عليها تنظيم علاقات الرد والجماعات.
ب. إن العلم عالمي لا وطن له ولا أمة فلا تختص به أمة دون سائر الأمم الأخرى ولا يقتصر على شعب دون آخر، وإنما هو مشاع مشترك بين الجميع، أما الثقافة فهي ذاتية تختص بأمة معينة لا توصف بها أمة أخرى إلا إذا انسلخت أمة من ثقافتها وأصبحت تابعة لثقافة أخرى هزمتها واستحوذت عليها فعندئذٍ تدخل المنهزمة في ثقافة الهازمة.
ج. إن العلم يؤخذ أخذاً عالمياً دون قيود لأنه محصلة إسهام الأمم كلها خلافاً للثقافة.
د. إن العلم النظري أكثر منه عملياً، كما أنه يرمي إلى تنمية الملكات وهو في نهاية المطاف وسيلة وإرادة وقد يستعمل للخير والشر على السواء في حين أن الثقافة سلوك أكثر منها معرفة فهي علم وعمل وفكر وسلوك وإتجاه وعاطفة في وقت واحد.
هـ. إن العلم جزء من الثقافة لأنه لا يتصف بصفة واحدة مميزة كما هو حال الثقافة التي هي أعم وأشمل. فأنت مثلاً تقول الثقافة الإسلامية، الثقافة الإغريقية، الثقافة الرومانية وهكذا …
و. مكانة الثقافة من التعليم والتربية مكانة الدرجة الأعلى فالتعليم قاصر على الإعداد المدرسي والدراسي لتكوين العقلية المؤهلة للثقافة أما الثقافة فهي الدرجة الأعلى كما قدمنا لأنها تُكَوِنُ الفرد تكويناً متفوقاً ومتميزاً.
وبهذا يتبين أن الثقافة ليست مرادفة للعلم في معناها وأنه لا يجوز أن نخلط بينهما لأن هذا يؤدي إلى تصور خاطئ يجعل الثقافة محصورة في فئة محدودة من أبناء المجتمع مع العلم بأنها تشمله كله بجميع فئاته وطوائفه وتُعبر عن أفكاره وإتجاهاته.
فالأمي في القراءة والكتابة داخل في ثقافة أمته، لا نستطيع أن نقول عنه أنه غير مثقف بثقافة أمته في حدود حرفته وديانته وبيئته التي يعيش عليها، كما أن أهل الثقافة داخل الأمة هم درجات في فهم واستيعاب ثقافة أمتهم والتمثل بها، فالذي عنده علم لاشك أن تَرقيه في سُلِم ثقافته أكبر ممن ليس عنده علم.
وبهذا نكون عرفنا طرفاً من هذه العلاقة بين الثقافة والحضارة وأيضاً الفروق بين الثقافة والعلم لكن بعد هذه المقدمة البسيطة نريد أن نتعمق قليلاً في مفهوم الثقافة والحضارة من وجهة النظر الإسلامية لأن هذا في الحقيقة هو ما يهمنا في هذا الفصل فإن المفاهيم تختلف وما قدمناه هنا هو مفهوم عام لهذه العلاقة وهذه الفروق في الثقافات الأخرى غير الثقافة الإسلامية.