تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن عالمية الدعوة الإسلامية أن ندحض الغربة التي تدعي أن الإسلام دين إقليمي أو قومي لأن معجزته الخاصة به تقرأ وتكتب باللغة العربية فقط.

ونرد على الادعاء بمقالة الباحث الإسلامي (المودودي) .. حيث يقول:

(ليس كما قيل أن القرآن الكريم عربي فتكون دعوته عربية لا عالمية.. إن الدليل المنطقي يقول: الخصائص التي تُميز النظام القومي أو المؤقت، من النظام العالمي أو الخالد: هي أن الأول إما أن يدعو إلى تفضيل شعب على غيره ويطالب له بحقوق ومميزات خاصة وإما أن يؤمن بنظريات ومبادئ لا تستطيع أن تروج وتزدهر في الشعوب الأخرى وعلى العكس من ذلك يكون النظام الثاني العالمي.. ثم إن النظام المؤقت ينشئ بناءه على قواعد تفقد قابليتها بمرور الأيام بينما النظام العالمي الخالد تنطبق مبادئه على جميع الظروف المتطورة) (2) .

ويضيف دون تعصب: (إن الإسلام هو الدين الذي لم يفضل شعباً على غيره وهو الدين الذي لم يأت بمبادئ خاصة وتعاليم محددة لبيئة وزمن معين، ومن ثم فهو دين عام وعالمي) . انتهى كلامه.

هذا ويعلم أصحاب الفرية المدعين أن الإسلام دين خاص بالعرب ليعلم هؤلاء أنه لا يلزم من قومية اللغة قومية الرسالة وخصوصيتها لأصحاب هذه اللغة.. إن اللغة لون ثقافي، والثقافة أمر مشاع لبني الإنسان وإذا لم يُسلم هؤلاء بأن عربية المعجزة الإسلامية لا يمنع من عالميتها، فكيف يُساغ بميزان منطقهم إيمان اليهود والنصارى العرب بالتوراة مع أنها كتبت بالعبرية؟ وكيف يساغ بميزان منطق المدعين إيمان النصارى من العرب بالأناجيل الأربعة متى، مرقس، يوحنا، لوقا. مع أن هذه الأناجيل قد كتبت بغير العربية (1) .

أليس هذا الأمر كافياً لإثبات أن نزول القرآن باللغة العربية لا يدل أبداً على إختصاص دعوته بالعرب؟ وأن عامل اللغة لا علاقة له ولا تأثير في خصوصية شئ وعموميته؟

ثم إنه ليكفي في الدلالة على عالمية الإسلام أن دعوته لا توجه إلى جنس من الأجناس ولا إلى قومية من القوميات وإنما توجه دعوته إلى الناس كافة ولذلك لم يؤثر ورود الخطاب ب (يا آيها الناس) .. الخطاب المشير إلى العموم لم يؤثر ورود هذا الخطاب في القرآن الكريم إلا على لسان خاتم الأنبياء.. قال تعالى مخاطباً محمداً صلى الله عليه وسلم: (قل يا آيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) (2) وقال سبحانه وتعالى: (قل يا آيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) (3) .

ومن هنا فإن اختصاص خاتم الأنبياء بهذا النداء بين سائر الرسل ليدل دلالة واضحة على عالمية الدعوة الإسلامية ومن ثم لا يكون هناك أدنى غرابة في إتصاف الثقافة النابعة من هذه الدعوة بالأصالة والرسوخ والدوام والإستمرار.

وبهذا نصل إلى القول بأن أسس ومرتكزات الثقافة الإسلامية قامت على أصول وثوابت لا تزعزعها الآراء، ولا تجرفها الأهواء، وأنها في ثباتها وقوتها كالجبال الراسية الراسخة، وأن ثقافةً هذه مرتكزاتها لهي جديرة بأن تكون هي الثقافة الحق الأولى بالإتباع والتبني والأخذ بها وبتعاليمها الداعية إلى عبادة الله وحده. وأن هذه الثقافة هي أس وأساس الحضارة الداعية إلى العلم وإلى ترقية الحياة على وجه الأرض.

الفصل الخامس: العلاقة بين الثقافة والحضارة والعلم

أولاً: العلاقة بين الثقافة والحضارة:

قبل أن أناقش هذه العلاقة من وجهة النظر الإسلامية فإنه يجدر بي أن أُعرج وبشكل مقتضب على ما كتب عن هذه العلاقة والمفارقة بين هذه المسميات بشكل عام فأقول إن الثقافة مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالحضارة، وإن كان هذا الإرتباط من وجهة نظر الكثيرين ممن كتبوا عن هذه العلاقة إرتباط عموم وخصوص، وهذا ما أميل إليه فإن الحضارة هي التطبيق المادي للتراث الثقافي وفي في الوقت نفسه ومن ناحية أخرى وليدة هذا التراث في البيئة التي تقوم فيها، ثم إنها كذلك بمثابة المرآة التي تعكس لنا مقومات ومميزات ثقافة المجتمع التي تنتسب إليه وهي تعبر عن المستوى الذي بلغه هذا المجتمع في فكره وأخلاقه وقيمه وعاداته ووسائل التقنية التي يستخدمها، ونقول أيضاً أن هذه العلاقة بينما تبرز بوضوح في التأثير والتأثر فيما بينهما فجميع عناصر الحضارة تحمل جانباً ثقافياً كما أن الثقافة في الوقت نفسه تحمل الصفة الخاصة بعناصرها الحضارية وبصفة يمكن القول أن الحضارة تمثل الواجهة الخارجية للثقافة.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦٢٢