3 إن دعواهم أن الله لا صفة له ولا رسم ولا نعت ولا ماهية، كل هذه الدعاوى تمنع أن يكون خالقاً موجداً كما تمنع أن يكون هو هذا الكون، لأن حقيقة المقالة أنه غير موجود وإن كان موجوداً فهو عاجز لأنه لا صفة له ولا رسم ولا ماهية، فكيف يمكن أن يوجد ما له صفة ورسم وماهية ووجود؟ (ففاقد الشيء لا يعطيه.
4 لو كانت دعوى ابن عربي وأمثاله صحيحة للزم من ذلك أن القرآن والسنة وجميع ما فيهما من العلوم والأوامر والنواهي كلمات جوفاء لا معنى لها حقيقي وظاهر، بل هي مجرد رموز لمعان بعيدة ظلت خفية على الرسول (وعلى أصحابه والمسلمين في العصور الأولى، بل استمر خفاؤها على المسلمين، ولم يعرف تلك المعاني الخفية إلا ابن عربي وأضرابه من أفراخ ملاحدة الفلاسفة.
5- لماذا لم يصرح الله تبارك وتعالى بوحدة الوجود، ويدع إليها وينبه عليها؟ مع أن ذلك لو حدث لما وجد من يعارض ذلك ويرده لأن فيه أمران خطيران:
الأمر الأول: أن جميع البشر بل جميع الأشياء آلهة بل هم الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الأمر الثاني: أنه ليس هناك شيء محرم أو لا يجوز أو مكروه، بل كل شيء محبوب مطلوب سواء كان شركاً أو قبيحاً مثل الزنا أو الربا، أو بغياً وظلماً مثل القتل والاعتداء. فكل ذلك داخل في نطاق المباح الذي ليس فيه حرمة بوجه من الوجوه، إذ الكل الله تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
6 أن الرسول (لم يرد عنه لا من قريب ولا بعيد شيء يدل على دعوى وحدة الوجود، فما الذي منعه عليه الصلاة والسلام من الدعوة إلى ذلك والجهر به؟ مع كمال شجاعته وكمال نصحه وفصاحته وبلاغته عليه الصلاة والسلام، وهو الذي عرض نفسه للقتل في سبيل الله وفي بيان بطلان معبودات أولئك المشركين، بل استباح دماءهم وأموالهم بسبب شركهم، كما استباح المشركون أيضاً دمه (ودم أصحابه بسبب معارضته لمعبوداتهم ودعوته لهم إلى توحيد الله (. فبناءً على دعوى ابن عربي وأضرابه كل ذلك كان من العبث، إذ أن الأمر لا يستحق شيئاً من ذلك، لأن المشركين على دعوى ابن عربي وأضرابه إنما كانوا يعبدون الله -تعالى الله علواً كبيراً- فهل في الأقوال الفاسدة أفسد من هذه الأقوال.
7 أن الله (قد لعن من أشرك معه في العبادة وأوجب له الخلود في النار وذلك في مثل قوله تعالى ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ المائدة (72) ، كما لعن إبليس وذلك في قوله
﴿وأن عليك لعنتي إلى يوم الدين﴾ ص (78) ، كما لعن الله (اليهود في قوله ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بماعصوا وكانوا يعتدون﴾ المائدة (78) ، فالله (في هذه الآيات وغيرها كثير لعن وأثبت غضبه وعذابه لمن عبد شيئاً معه أو غيره عاماً أو خاصاً.
فلو كان الأمر كما زعم هؤلاء الزنادقة من أنه ما ثمَّ إلا الله وأن الوجود كله مظهر ومجلى لله (لكان لازم ذلك أن يكون الله (لعن نفسه -عياذاً بالله تعالى-وحكم على نفسه بالخلود في النار سبحانك هذا بهتان عظيم.
8 أن الله لعن من عبد غيره وكذلك كل من ادعى الألوهية من البشر، فقد لعن فرعون وجعله إماماً في الضلال متبوعاً بلعنة الله هو ومن اتبعه قال ( ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ القصص (42) وذلك لقوله
﴿أنا ربكم الأعلى﴾ الذاريات (24) ، فمن زعم أن المخلوق هو الخالق فقد زعم أن فرعون كان صادقاً وأن اللعنة والتقبيح له ولأتباعه بغير وجه حق أو هو ظلم غاية الظلم.
وقد التزم ابن عربي الضال المضل في مقابل ذلك إيمان فرعون ونجاته، بل زعم أنه صادق في قوله ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (1) .
ولا شك أن هذا تكذيب صريح لكلام الله (واستدلال على الفاسد وهو قوله بوحدة الوجود بما هو مثله في الفساد وهو تكذيب