فالدروز يؤلهون الحاكم، ويعتقدون أنه الصورة الناسوتية للإله، ويعبدونه ويصرحون بذلك، وإن كان بعضهم يحاول أن يخفي ذلك. وهم يقولون بالتناسخ بعد الموت، وأن الشرائع كلها منقوضة إلا عقيدتهم، التي يطلقون عليها التوحيدية. (1)
والدروز كإخوانهم الإسماعيلية وعموم الباطنية في نفيهم عن الله تعالى جميع الصفات، بل الذات والأفعال، فهذا د. سامي نسيب مكارم الدرزي يقول في كتابه " أضواء على مسلك التوحيد ": " فهو تعالى لا شخص ولا روح ولا شيء، ولا جوهر ولا عرض ولا فكر ولا جسم ولا وجود ولا عدم، ولا عنصر، ولا كثيف ولا لطيف، ولا نور ولا ظلمة، ولا جزء ولا كل، ولا علوي ولا سفلي، ولا قائم ولا حاضر، ولا ماض ولا مقبل (2) ، ولا كبير ولا صغير، ولا قريب ولا بعيد، ولا أية صفة تضمنتها اللغات والكلمات أو تصورتها وتخيلتها الأفهام. فهو منزه يتعدى جميع الصفات التي يدركها البشر بحواسهم وبعقولهم، وبمشاعر قلوبهم، بل كل ما يقال عنه مجاز ودلالة " (3) .
ثالثاُ: الرد على الفلاسفة والباطنيين في قولهم في الله (
الفلاسفة المنتسبون للإسلام الحجة عليهم قائمة أكثر وأعظم ممن قبلهم من الوثنيين، لأنهم أدركوا الإسلام وعرفوه، ووجد بين أيديهم ما يفضح فساد قول أهل الضلالة، ويظهر عوره ونقصه، لو كانوا يبصرون. وهؤلاء نرد عليهم من ناحيتين عقلية وشرعية:
أما عقلاً فنقول:
1 إن كلام الفلاسفة السابقين واللاحقين عن الخالق تبارك وتعالى كله من باب الظن والتخمين، لأنهم لم يروا الباري تبارك وتعالى، ولم يروا شبيهاً له، ولم يشهدوا خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، كما لم يأخذوا قولهم هذا عن مخبر صادق، فبالتالي لا يعدو أن يكون ظناً وتخميناً.
2 إنهم بنوا كلامهم عن الباري تبارك وتعالى على النظر في مخلوقاته مما يحيط بهم ويرونه ويشاهدونه، وهذا ليس كافياً في إعطاء العلم الصحيح الكامل بالله عز وجل لأن مخلوقاته تدل على أشياء عامة وليس أشياء دقيقة كما راحوا يحاولون أن يقرروا ويثبتوا.
3 إنهم استخدموا في كلامهم عن الله (قياس الغائب على الشاهد قياس تمثيل وقياس شمول، وكل ذلك باطل بالنسبة لله (،لأن قياس التمثيل قياس يستوي فيه الأصل والفرع، وقياس الشمول يستوي فيه الأفراد تحت حكم واحد (1) ، وإذا كان الفلاسفة يرون أن الله لا يشبهه أحد فقياسهم فاسد وموصل لفساد، لأنهم به: إما أن يجعلوه شبيهاً لغيره، بناءً على قياس التمثيل، أو يجعلوه محكوماً بقاعدة واحدة هو وأفراد من جنسه، بناءً على قياس الشمول، أو ينفوا وجوده، بناءً على الغلو في نفي المشابهة.
وهذا كله باطل والأولى من ذلك استعمال قياس الأولى وهو أن ما كان كمالاً في المخلوق فالخالق واهبه فهو أولى به، وما كان من نقص فالخالق منزه عنه لكماله وجلاله (2) .
4 إنهم لم يقفوا في نظرهم ومحاولتهم التعرف على خالق هذا الكون على النظر إلى المخلوقات الظاهرة أمام أعينهم فيهديهم ذلك إلى كمال وجلال موجدها وخالقها، وإنما راحوا يبحثون في أصل مادة الكون وعلة وجوده ومباحث أخرى هي تبع لذلك مبنية على الظن والتخمين وبنوا على ذلك الخرص والتخمين وصف الله (ومعرفته، مع أن معرفة أصل الأشياء ومادتها الأولية فيه صعوبة بل عسر، أما مابعد عنا كالكواكب والسموات وما غاب عنا من المخلوقات فمعرفة أصل مادته أقرب إلى المستحيل، فيكون إدراج ذلك كله في قضية واحدة مع المشاهد المحسوس من الخلق خلفاً وخطأً كبيراً.
5 إن إثبات وجود الله (ضرورة من الضروريات بل هو من أوجبها وألزمها وأوضحها، ولا ينكر وجوده جل وعلا إلا مكابر جاحد لأن مما هو مستقر في الفطر وبدهي في العقل أن كل موجود لا بد له من موجد، ولا بد أن يصل التسلسل إلى نهاية وإلا كان باطلاً والتسلسل في الوجود موصل إلى نهاية وهو الله تبارك وتعالى، وهذا لا يخالف فيه إلا شذاذ ملاحدة الفلاسفة. (1) وهنا نقول كما أن الله تبارك وتعالى وجوده ضروري، فكذلك إثبات صفاته تعالى ضروري لعدة أمور: