تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولاً: انتقال فلسفة اليونان إلى المناطق التي طالتها الفتوح الإسلامية

الفلسفة اليونانية كما ذكر كثير من المؤرخين تمركزت قبل الإسلام في ثلاث مناطق هي:

حران (1) : وهي بلاد الصابئة وقد التقت في تلك المدينة الفلسفة اليونانية وخاصة مذهب الفيثاغوريين (2) والأفلاطونية المحدثة (3) مع وثنية أهل البلاد.

ومدينة جنديسابور (4) : حيث أسس كسرى أنوشروان فيها معهداً للدراسات الفلسفية والطبية وكان معظم معلمي ذلك المعهد من النصارى النساطرة (5) السريان (6) .

والإسكندرية: التي كانت وارثة أثينا في الفلسفة، حيث أنشأ فيها بطليموس الثاني فيلادلفوس الحاكم اليوناني مكتبة الحكمة وذلك بعد سنة 285 ق. م وجمع فيها كتب الفلسفة، فاجتمع عنده فيها ديانة البلاد وفلسفة اليونان وفيها ظهرت الأفلاطونية المحدثة على يد أفلوطين وفيلون اليهودي (1) وهما مصريان.

ثانياً: دخول تلك الفلسفة على المسلمين

لما دخل المسلمون تلك البلدان التي كانت مراكز للفلسفة اليونانية واحتكوا بأهلها تأثر بعضهم بتلك الفلسفات، ومما زاد في التأثير شغف بعض حكام المسلمين بالعلوم الطبيعية ثم بالعلوم العقلية، فقاموا بترجمة ما وجدوا في تلك البلدان من الكتب.

ويهمنا من ذلك كتب الفلسفة المتعلقة بخالق هذا الكون وإيجاده له. وكان هذا الأمر وهو ترجمة كتب اليونان إلى العربية قد تم عن طريق النصارى السريان سواء كانوا من النساطرة أو اليعاقبة (2) حيث كانوا نقلوا من قبل بعض كتب اليونان إلى لغاتهم خاصة السريان منهم ثم صاروا الواسطة في اطلاع المسلمين على فلسفة اليونان وكان من أوائل المترجمين:

يحي بن البطريق المتوفى 200هـ: الذي ترجم كتاباً سماه ((طيماوس)) لأفلاطون الذي يتحدث فيه عن ترتيب ما يسميه الطبيعة، كما ترجم كتاب ((الأثار العلوية)) لأرسطو.

ومنهم عبد المسيح الحمصي: المتوفى في حدود 220 هـ ترجم كتاب

((الأغاليط)) لأرسطو، وكتاباً نسب خطأً لأرسطو يسمى ((الربوبية)) وهو جزء من تاسوعات أفلاطون.

وأبو زيد حنين بن إسحاق المتوفى عام 260 هـ وابنه إسحاق بن حنين المتوفى عام 298هـ وابن أخته حبيش بن الحسن.

وهم من مترجمي الدولة العباسية وبالأخص المأمون، وقد عني حنين بن إسحاق بترجمة كتب الطب، أما ابنه إسحاق فقد عني بترجمة كتب الفلسفة.

ومنهم قسطا بن لوقا البعلبكي: وهو من نصارى الشام وقد شرح كثيراً من كتب أفلاطون وأرسطو كما ترجم من اليونانية إلى العربية بعض كتب شراح أرسطو.

وأبو بشر متى بن يونس القنائي المتوفى عام 328 هـ وتلميذه يحيى بن عدي بن زكريا المتوفى عام 364هـ. وكل هؤلاء من النصارى إما النساطرة أو اليعاقبة. (1)

وبسبب هذه الترجمات اتصل المسلمون بتلك العلوم الفلسفية، ومما زاد في تأثير ذلك اهتمام بعض الخلفاء بهذه العلوم وتشجيعهم لها بل وتقديم المتأثرين بها وانتحال مذهبهم، كما هو الحال مع المأمون (2) والمعتصم (3) والواثق (4) .

وقد كان المأمون من أكثرهم حرصاً على هذه العلوم، حتى أنه راسل ملوك الروم، وأتحفهم بالهدايا، ملتمساً منهم أن يرسلوا بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه ما كان لديهم من كتب أفلاطون (5) وأرسطو (6) وأبقراط (7) وغيرهم من الفلاسفة، فاختار لها أمهر المترجمين وكلفهم إحكام ترجمتها ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعلمها.

وكما هو معلوم فإن المأمون قد انتحل مذهب المعتزلة القائم على أصول فلسفية في صفات الله (وأفعاله، كما حمل الناس بقوة السلطان على الأخذ بذلك ومن أبى فليس له إلا الإقصاء أو الحبس والأذى، وتابعه على ذلك أخوه المعتصم ثم ابنه الواثق في امتحان الناس على مذهب المعتزلة بما يسمى في التاريخ ((بفتنة القول بخلق القرآن)) (8) أو ((محنة الإمام أحمد بن حنبل)) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥٥٤