تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفيما يأتي بيان تفصيلي لتلك الأسباب التي من أجلها تعتبر من الغيب النسبي ما كان معاصراً للإنسان من الأمور:

السبب الأول/ البعد المكاني:

أي ما كان البعد المكاني مانعاً من الوصول إلى العلم به، ولولا بعد المكان لأمكن رؤية ما يرى وسمع ما يسمع، وشم ما يشم، ولمس ما يلمس وذوق ما يطعم.

أما أمثلته فالبعيد عن الرؤية والإبصار ما كان خارج مدى النظر في العادة، وما كان كذلك فرؤيته تكون بالآلات المقربة للبعيد كالمناظير المقربة بمختلف أنواعها ودرجاتها، فقد تمكن الإنسان من مشاهدة ما خرج عن مدى الرؤية بالعين المجردة إلى الأجرام البعيدة بعداً كبيراً كالنجوم والكواكب والأقمار والمجرات، وفي الأصوات البعيدة عن السماع استخدم الأجهزة المقوية لسمعه، أو المكبرة للأصوات الخافتة، أو البعيدة، حتى استطاع الاستماع إليها، وهكذا في سائر ما خفي وغاب عن حواسه من الغيب النسبي الذي هو غيب الزمن الحاضر، فتمكن بها من علم خفايا هذه الأشياء من عالم الشهادة.

وهذه الأمور تعتبر غيباً نسبياً، إذ هي بالنسبة لمن استخدم تلك الآلات ليست غيباً بل هي شهادة، وبالنسبة لمن لم يستخدمها غيب.

السبب الثاني: الحاجز المانع:

أي ما حال بين الإنسان وبين علمه حاجز منع من الوصول إليه والعلم به، ولولا وجود ذلك الحاجز لما كان غيباً.

أمثلة ذلك ما يمنع الرؤية أو السمع أو الشم أو اللمس من السواتر كالجدران والألواح والأوعية، وسائر الأجسام، ويدخل في هذا ما في الأرحام من الأجنة بعد تمام الخلقة واكتمال الصورة، وهذا أيضاً لا يعتبر غيباً لمن استخدم الآلات المخترقة لتلك الموانع الساترة.

السبب الثالث: التناهي في الصغر إن كان جرماً، والخفوت الشديد إن كان صوتاً:

فاستخدم الإنسان من الأجهزة ما مكنه من رؤية الأجرام الدقيقة جداً بتكبيرها آلاف المرات أو ملايين المرات، كما تمكن بآلات أخرى من سماع الأصوات الخافتة التي ما كان يسمعها بالأذن المجردة، واستخدم أجهزة أخرى في معرفة ما خفي عليه من الروائح والطعوم، فأصبحت تلك الأمور مرئية مسموعة بواسطة تلك الآلات، ومن هذا القبيل معرفة فصائل الدم، ومشاهدة كريات الدم والشرايين الدقيقة للجسم.

السبب الرابع: الآفات والنقائص:

وهي ما يعتري البعض من النقائص كالعمى الذي يمنع من الرؤية، والصمم الذي يمنع من السمع، وفقدان حاسة الشم الذي يمنع من تمييز الروائح، وحاسة الذوق التي يعرف بها طعم الأشياء المختلفة والخدر الذي يمنع إحساس الجسم بالألم والحرارة والبرودة. وهذه الأشياء تعتبر غيبا نسبيا، إذ هي بالنسبة لمن يملك تلك الوسائل جلية ليست بغيب، بينما تعتبر بالنسبة لمن فقدها غيبا.

السبب الخامس: الحجب الرباني:

لقد حجب الله عز وجل بعض عالم الشهادة حجبا لا سبيل لأحد من الخلق إلى اختراقه مع أنه من حيث الجنس من عالم الشهادة، ليعلم عباده أنه هو الذي حجب عنهم ما حجب من خلقه، وكشف لهم ما كشف، وكل ذلك راجع إلى قدرته تعالى لا إلى طبيعة الأشياء الذاتية، فلا الإنسان قادر على إدراك ما أدرك بقدرته وطبيعته، ولا ما كان غيبا قادرا على الغيبية بقدرته، وإنما طبع الله تعالى خلقه على تلك الأحوال بقدرته ومشيئته، فمتى شاء أن يخرق سننه الكونية لحكمة أرادها، غيرها وبدلها حتى يدرك الخلق أن للطبيعة خالقا مريدا طبعها بما شاء وكيف شاء. فمن أمثلة ذلك:

أولاً: خفاء المسيح الدجال (1) :

المسيح الدجال رجل من اليهود ورد ذكره في الأحاديث النبوية على سبيل التحذير من فتنته، وأن جميع الأنبياء حذروا أممهم منه كذلك. وذكر من صفاته أنه خارج من موضع بين الشام والعراق. وأن الله تعالى يسخر له كثيرا من الخلق ليفتن بذلك العباد، حيث تظهر على يديه الخوارق الشيطانية، وأنه يدعي الألوهية، ومكتوب بين عينيه كافر، يقرأ ذلك أهل الإيمان ممن يقرأ وممن لا يقرأ، وأنه أعور العين اليمنى، وأنه يجوب في الأرض سريعا ويمكث فيها أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كالأيام المعتادة، وأنه يذوب كما يذوب الملح في الماء حينما يرى المسيح عيسى ابن مريم عليه

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥٤٣