ولقد بقيت في ديار الإسلام فرق التأويل وهي تزعم أنها على مذهب أهل السنة والجماعة، غير أن ذلك ادعاء تعارضه الأدلة، ويكذبه الواقع، فلننظر فيما يأتي إلى أمثلة من تأويلاتهم المضطربة لنصوص الصفات الواردة في الكتاب والسنة والتي لا يزال يتشبث بها فريق من العلماء ظناً منهم أن ذلك هو الحق وأن ما خالفه هو الباطل.
أمثلة من التأويلات الحائرة لنصوص الصفات
إن صفات ربنا تبارك وتعالى من غيب الغيوب، وهي قسمان: صفات ذات، وهي التي يوصف الله تعالى بها على الدوام والاستمرار، ولا يجوز أن يوصف بضدها، كاليد، والوجه، والعين، والإصبع، والقدم، والساق، وصفات فعل، وهي التي تتعلق بإرادته تبارك وتعالى، يفعلها متى شاء وكيف شاء، وقد يفعلها ويفعل ضدها، ولا يطرد هذا في جميع الصفات الفعلية، وأمثلة الصفات الفعلية الخلق، والرَزق، والإحياء، والإماتة، والاستواء، والمجيء، والإتيان، والنزول، والرضا، والغضب، والكلام، فكل هذه الصفات ثابتة لربنا تبارك وتعالى، وهي صفات فعله الاختيارية يفعلها متى شاء، وكيف شاء على ما يليق بجلاله وعظمته.
إن مؤولي صفات الله تعالى ذهبوا بعقولهم القاصرة، وأفكارهم الحائرة إلى القول بأن كثيراً مما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى الذاتية أو الفعلية تدل معانيها الظاهرة منها عند إطلاقها على ما لا يليق به تعالى، فمن أجل ذلك قالوا إن الواجب على المسلم إزاءها أحد أمرين:
الأمر الأول:
التأويل، وهو صرف المعنى الظاهر إلى معنى آخر لا يتحمله اللفظ ولا يدل عليه دليل لغة وشرعاً.
الأمر الثاني:
التفويض: أي إثبات لفظ مجرد عن المعنى وتفويض العلم بمعناه إلى الله تعالى، والتأويل هو القول المقدم عندهم، وفي هذا يقول صاحب جوهرة التوحيد:
وكل نص أوهم التشبيها
أوله أو فوض ورم تنزيها
هذا ما ذهب إليه الأشاعرة، فواكبهم الماتريدية في ذلك، قال السفاريني رحمه الله تعالى في الدرة المضيئة:
فكل من أول في الصفات
كذاته من غير ما إثبات
فقد تعدى واستطال واجترى
وخاض في بحر الضلال وافترى (1)
أ/ تأويلهم لصفات الذات:
أولاً: تأويلهم لصفة الوجه:
وردت صفة الوجه في كتاب الله تعالى في أحد عشر موضعاً (1) وصف الله تعالى بها نفسه الكريمة. ومع ذلك يأبى المؤولون إلا صرف معاني هذه الآيات عن ظاهرها. فقد قالوا في صفة الوجه: "إن المراد بالوجه الذات" (2) ، "لأن الوجه وضع للجارحة، ولم يوضع لصفة أخرى بل لا يجوز وضعه لما لا يعقله المخاطب، فتعين المجاز " (3) .
ثانياً: تأويلهم لصفة اليد:
وردت صفة اليد في حق ربنا تبارك وتعالى في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة، فقد وردت في القران وحده في أحد عشر موضعا (4) أيضا. أما في السنة النبوية فما ورد من ذلك شيء كثير.
وحال المؤولين في هذه الصفة كحالهم في صفة الوجه، فإنهم قالوا في تأويل معنى هذه الصفة: "وباليد القدرة" (5) أي المراد بالوجه الذات والمراد باليد القدرة.
وقال الإيجي نقلا عن القاضي في بعض كتبه: "وقال الأكثر: إنهما مجاز عن القدرة فإنه شائع (وخلقته بيدي) أي بقدرة كاملة" (6) .
ثالثاً: تأويلهم لصفة اليمين:
وردت هذه الصفة في حق ربنا تبارك وتعالى في الكتاب والسنة. أما الكتاب فقد وردت في قوله تبارك وتعالى: (والسماوات مطويات بيمينه ((7) وقد قالوا في تأويل هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها: "وإن المراد باليمين في قوله تعالى: (والسماوات مطويات بيمينه (: القوة" (8) .
رابعاً: تأويلهم لصفة العين:
وردت في حق ربنا تبارك وتعالى صفة العين في القرآن الكريم بصيغة الإفراد وصيغة الجمع، فمن ذلك قوله تعالى: (ولتصنع على عيني ((9) ، وقوله: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ((10) فقام أصحاب التأويل بصرف معناها عن ظاهرها حيث قالوا: المراد بالعين: "التربية والرعاية" (11) .