قياس المشبهة:
إن المشبهة هم الذين غلوا في الأخذ بنصوص الصفات، وتجاوزوا ما دلت عليه النصوص الشرعية قياساً منهم للغيب على الشهادة، فذهبوا إلى أن صفاته تعالى الواردة في النصوص هي مماثلة لصفات خلقه، فجعلوا بذلك الشاهد أصلاً قاسوا عليه الغائب، وهو تصور خاطئ، وقياس فاسد، فقياس الغائب على الشاهد يصح فيما اتحد جنسه، واشترك في خصائصه كقياس الإنسان على الإنسان، في خصائص الإنسانية التي ثبت بالاستقراء أن الناس لا يختلفون فيها باختلاف الأزمان والأوطان.
أما في حالة اختلاف الأجناس، فإن قياس الغائب على الشاهد لا يصح، فالملائكة جنس، والبشر جنس، وللملائكة كلام، وللبشر كلام، فإذا كان الشاهد في كلام الإنسان أن يكون بلسان وشفتين وغيرهما من الأدوات التي جعلها الله معينة على التكلم، فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون كلام الملائكة مثل كلام البشر بأدوات مشابهة لأدوات الإنسان، وهكذا في كل مختلف الأجناس من خلق الله تعالى، لا يصح قياس بعضها على بعض، وإن تشابهت الألفاظ التي تطلق على هذه الأجناس في خصائص صفاتها، فللطير أجنحة، وللملائكة أجنحة، فهل يقول عاقل أن أجنحة الملائكة كأجنحة الطير قياساً للشاهد على الغائب؟ هذا مالا يقوله عاقل. فإذا كان قياس بعض ما اختلفت أجناسه على بعض من المخلوقات لا يصح، فكيف يصح قياس الخالق على خلقه، إن هذا إلا إفك مبين.
قياس المعطلة:
إن المعطلة على اختلاف دركاتهم في التعطيل انطلقوا من منطلق واحد، وهو اعتبار أن الحقائق في الصفات هي التي في الشاهد، فاليد هي الجارحة، والعين هي الباصرة، والكلام لا يكون إلا بلسان وشفتين في الشاهد، والرحمة رقة تحدث في القلب في الشاهد، والغضب انفعال يحدث في النفس عند وجود موجبه، هذا هو الأصل في الشاهد. أما في حق الله تعالى، فقياسه على خلقه لا يصح، فلا بد إذن من البحث عن معنى آخر تتقبله عقولهم، فلتكن اليد هي القدرة أو النعمة، ولتكن الرحمة إرادة الثواب، والغضب إرادة العقاب، هكذا جعلوا كل المعاني التي دلت عليها اللغة عند إطلاقها أصلاً في الإنسان كما رأت ذلك المشبهة فشبهت، أما المعطلة فقد انطلقوا من نفس المنطلق، ولكنهم وجدوا أن التشبيه غير صحيح، فوجدوا النفي مركباً للهروب من التشبيه الذي توهموا أن إثبات صفات الله تعالى على نحو ما جاءت به النصوص الشرعية يؤدي إليه، هذا كله عند القائلين بالتأويل، وأما القائلون بالنفي الكلي أو الجزئي، فمنطلقهم أيضاً نفس منطلق المشبهة والمؤلة، غير أن كل فريق انطلق إلى اتجاه غير اتجاه الآخر، فالمشبهة إلى وحل التشبيه فسقطوا فيه، والمعطلة إلى التعطيل تحت غطاء التنزيه، فسقطوا في مستنقع التعطيل على تفاوت فيما بينهم في الغوص في أعماقه.
وسبب هذا السقوط في تلك الأوحال والمستنقعات عدم نظرهم إلى القضايا الغيبية نظرة ثاقبة على ضوء ما دلت عليه النصوص الشرعية، فالمشبهة نظروا إلى الغيب نظرهم إلى الشاهد، فشبهوا ولم يأخذوا بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ((1) ، بل نظروا فقط إلى نصوص الإثبات نظرة سطحية فتطرفوا، والمعطلة نظروا إلى الغيب أيضاً نظرهم إلى الشاهد فتشابه الأمر عليهم فنفوا ولم يأخذوا بنصوص الإثبات مع نصوص التنزيه فعطلوا باسم التنزيه.
فهدى الله سلف هذه الأمة، ومن اقتدى بهم من الخلف، فأثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه الكريمة في كتابه العزيز، وما أثبته له رسوله (في سنته الصحيحة إثباتاً بلا تمثيل، ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه الكريمة في كتابه الكريم مما لا يليق به، أو نفاه عنه رسوله (في سنته الثابتة نفياً لا يؤدي إلى التعطيل مهتدين بقول الله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (، (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ((1) ، ولما كانت فرقة المعطلة الكبرى: (المعتزلة والجهمية) لم يبق في ديار الإسلام منهما إلا ما اندرج تحت عباءة بعض الفرق الأخرى التي لا تحمل أسماء تلك الفرق، ولم يبق منها إلى الاسم والرسم بحمد الله تعالى، اضرب عنهم الذكر صفحاً، مكتفياً بما سبقت الإشارة إليه من أن الجهمية معطلة في الأسماء والصفات، والمعتزلة معطلة في الصفات، ولقد بادتا بشؤم الاعتقاد الفاسد الذي خالفتا به كتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهكذا شؤم المعاصي على الأمم والجماعات، وهي سنة الله تعالى التي قد خلت في عباده.