تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثالثها: إيتاء الزكاة، فإن من لا يعتقد بشرعيتها ووجوبها، ليس بمؤمن عند الله تعالى، وعمله مردود عليه مهما بلغ حجمه.

ورابعها: صيام رمضان، فالمؤمن الصادق هو الذي يصوم رمضان معتقداً بأن الله فرضه على عباده فإذا لم يصدق بوجوبه وفرضيته على عباد الله لم يكن من المؤمنين عند الله تعالى.

وخامسها: حج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، فمن حج وهو لا يصدق بأن الله تعالى فرضه على من استطاع إليه سبيلاً فهو غير مؤمن عند الله تعالى.

وكذلك ما حرم الله على عباده من الأمور، لابد من اعتقاد أن الله حرمها على عباده، ومن لا يؤمن أن الله تعالى حرم الفواحش، وقتل النفس بغير حق، وشهادة الزور، وقول الزور، وشرب الخمور، لم يكن مؤمناً عند الله تعالى، سواءً ارتكب تلك المحرمات أم تركها.

والمراد باعتقاد الوجوب، هو الوجوب العام على العباد، لأن بعض الفرائض تسقط فرضيتها عن البعض لأمور طارئة، كسقوط فرضية الصلاة عن النساء في حالة الحيض أو النفاس، وسقوط فرضية الصيام عن المسافر حتى يقيم، فإذا أقام قضى. وعدم وجوب الزكاة على من لا يملك نصاباً، وعدم وجوب الحج على من لم يستطع إليه سبيلاً. والمراد إذن إنكار الوجوب العام على العباد. وبهذا يتبين أن دائرة الإيمان تشمل دائرة الأعمال بالجوارح كما تشمل اعتقاد وجوب ترك ما حرم الله فعله من المحرمات.

المبحث الثاني: أثر الإيمان بالغيب

للإيمان بالغيب آثار جلية في نفوس المؤمنين وسلوكهم، وآثار في معاملاتهم، وعلاقاتهم بربهم، وعلاقاتهم ببعضهم، وعلاقاتهم بغيرهم، ونظرتهم إلى الكون من حولهم، ونظرتهم إلى ما يأتي في أقدار الله تعالى من خير أو شر، أو حلو أو مر.

أثر الإيمان بالغيب في تعلق العبد بربه:

المؤمن بالغيب يكون صادقا مع الله تعالى في السر والعلانية، يطيع أوامر ربه، وأوامر رسوله (مستسلما راضياً يرجو ثواب الله تعالى، ويحرص على ما فيه رضوانه. فتكون طاعة الله تعالى وذكره وعبادته بما شرع، راحة نفسه، وقرة عينه، ومنية قلبه، ومنتهى رغبته. ولصدقه في إيمانه بالغيب يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه.

والمؤمن بالغيب موقن بأنه (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيبٌ عتيد ((1) وبأن حركاته وسكناته، وما يدور بخلده وما توسوس به نفسه، أو يختلج في صدره، خاضع لمراقبة الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ((2) . (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ((3) ، (وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون ((4) ، (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ((5) ، (فلا يحزنك قولهم إنَّا نعلم ما يسرون وما يعلنون ((6) ، (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله بكل شيء عليم ((7) . (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ((8) . (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً ((9) وهو سبحانه يعلم خبايا النفوس وخفاياها: (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ((10) (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ((11) ، ولا يدرك حقيقة علمه المحيط الشامل لكل شيء زماناً ومكاناً إلا من آمن بالغيب إيماناً صادقاً جازماً، ولهذا كانت قرة عين رسول الله (، أي أن راحة نفسه، وسكينة قلبه، وطمأنينته، في ذكر ربه الكريم. وهو يستيقن أنه أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد. والمؤمن بالغيب يكون الله تعالى، ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإذا أحب أحب لله، وإذا أبغض أبغض من أجل لله، وإذا أعطى أعطى لله، وإذا منع منع من أجل الله، وهو في سرائه شكور، وفي ضرائه صبور. والمؤمن بالغيب يعلم علم يقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويعلم أن الحذر لا ينجي من القدر، وأن الله تعالى قدر كل شيء في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه تعالى يضع الموازين القسط ليوم القيامة، وأنه لا يظلم أحدا من خلقه ولا يبخسه من حقه، ولا تزر وازرةُ وزر أخرى، وأنه أحكم الحاكمين،

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥١٦