تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشرع. وذلك راجع إلى هذا المعنى.

وإن مما يفقد العمل الصالح جماله ورونقه، ضعف ما في القلب من الإيمان الذي بقوته وصلاحه تصلح الأعمال. قال (:

(ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) (1) . فكما أن في الجسد مضغة يتوقف صلاحه على صلاحها، فكذلك يكون للدين لب، إذا صلح صلح الدين كله، وإذا فسد فسد الدين كله، وإن مما يزيل الإيمان من القلوب أو يضعفه النفاق والجهل والبدع. فالنفاق يزيل الإيمان والجهل والبدع يضعفان الإيمان في القلوب والعمل في الجوارح. ولما كان من البدع الشنيعة نفي أسماء الله تعالى وصفاته، أو تأويلها بدعوى التنزيه مما أدى إلى تعطيله عز وجل عن أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك تشبيه ربنا تبارك وتعالى بخلقه من قبل المشبهة بدعوى الإثبات. وكان منشأ ذلك إما غلوا في التنزيه المؤدي إلى التعطيل، أو غلوا في الإثبات الذي يؤدي إلى التمثيل، قمت بدراسة هذا الانحراف وسببه فوجدت أن كثيرا من هؤلاء أتوا من جهة اعتبارهم أن دلالة اللغة على صفات المخلوقات في عالم الشهادة هي الأصل، وأن استعمالها في عالم الغيب، أو غيب الغيوب هو الخروج عن الأصل، فلا بد إذن من قياس الغائب المجهول على الشاهد المعلوم، فرأت المشبهة أن هذا هو الذي ينبغي أن يسار إليه ويقال به، فشبهت الله تعالى بخلقه، وشبهت عالم الغيب بعالم الشهادة سواء بسواء. وأما المعطلة فقد سلكوا مسلك المشبهة أولاً فاستقبحوا ذلك ففروا من التشبيه إلى التعطيل. أي أنهم ما عطلوا إلا بعدما شبهوا. ولما رأوا أن التشبيه لا يليق بالله تعالى عدلوا إلى التعطيل والله المستعان.

وكلا الفريقين أصبحا بعد ذلك في اتجاهين متعارضين بعد أن أخذوا جزءاً من الحق وهو الإثبات عند الممثلة وأضاف إليه باطل التمثيل، والتنزيه عند المعطلة بعد أن أخذوا جزء من الحق وهو التنزيه، فتجاوزوا حد التنزيه حتى نفوا ما أثبته الله تعالى لنفسه أو نفاه عنه رسوله مما لا يليق به تعالى. ولو أن كلا من الفريقين لم يتطرفا فيما ذهبا إليه لكان ما تفرق بينهما من الحق قد اجتمع. فهدى الله تعالى أهل الحق لما اختلف فيه الفريقان فجمعوا ما تفرق من الحق، فصح لهم ما لم يصح لغيرهم.

وهذا ما قصدت إيضاحه في هذه المباحث، وقد بذلت جهدي مستعينا بالله تعالى في إبراز جوانب متفرقة من أمور الغيب بأنواعها وأقسامها، وحظ الإنسان من العلم بها، ووسائله التي يستعين بها على علم ما غاب عنه وخفي عليه مما يقر شرع الله تعالى استخدامها، أو التصديق بنتائجها والعمل بها.

والله تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم. ورحم الله تعالى من نظر في هذا البحث بعين النصح والتهذيب والتصويب، فأوقفني على ما ظهر فيه من العيب والتقصير، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المجتبى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته البررة الصادقين، ومن سار على نهجه واقتفى أثره، واتبع هديه إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

• • •

المبحث الأول: مكانة الإيمان بالغيب في الإسلام

إن للإسلام جانبين رئيسين لا يغني أحدهما عن الآخر، ولا يكون المرء مسلماً إلا بهما، وهما:

الجانب العلمي التصديقي:

وهو جميع القضايا الاعتقادية التي يجب التصديق بها تصديقاً جازماً وتمثل هذا الجانب أركان الإيمان الستة، ويضاف إليه اعتقاد جازم بوجوب ما أوجب الله من الأعمال كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها من أركان الإسلام، لأن الإيمان بوجوبها جانب علمي وتصديقي، وواجب شرعي، وكذلك يضاف إلى هذا اعتقاد حرمة ما حرم الله تعالى على عباده مما لا خلاف في حرمته كشرب الخمر والزنا، وقول الزور، وشهادة الزور، وغير ذلك مما علم من الدين بالضرورة حرمته.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥١٤