قال ابن الصلاح (ت643هـ) رحمه الله عن الحديث الموضوع أنه: ""لاتحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كن إلا مقروناً ببيان وضعه بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب"اهـ (2) .
أمّا مرتبة الحديث المقلوب:
فقد علمت مما سبق أن الحديث المقلوب إمّا أن يقع وهماً أو عمداً بقصد الإغراب أو بقصد الامتحان.
ووقوعه بقصد الامتحان خارج البحث هنا، إذ في مثل هذه الحالة لا تطلب مرتبة الحديث المقلوب!
ويبقى وقوع القلب وهماً أو عمداً بقصد الإغراب، فما هي مرتبة الحديث في هذه الحال؟
الجواب: سبق أن القلب عمداً بقصد الإغراب من أقسام الموضوع، وهذه جملة سبق الكثير من تفاصيلها قريباً في أوّل هذا المطلب، فلا يحسن التكرار.
ويبقى ما هي مرتبة الحديث المقلوب وهماً من الراوي؟
والجواب: الحديث المقلوب عموماً لا يخرج عن كونه معلولاً أو شاذاً (1) .
ولكن هل كل شذوذ أو علة تخرج الحديث عن حيز القبول؟
أو بعبارة أخرى: هل كل علة أو شذوذ تقدح في ثبوت الحديث؟
الجواب: قد حرر أهل العلم أن وصف العلة والشذوذ المشترط انتفاؤه عن الصحيح والحسن إنما هو العلة القادحة والشذوذ القادح.
ومعنى هذا الكلام: أنه قد يجتمع وصف الصحة والحسن مع العلة والشذوذ بشرط أن لا تكون العلة قادحة، ولا يكون الشذوذ قادحاً! (2) .
وعليه؛ فقد يجتمع وصف القلب والاضطراب مع الصحة أو الحسن، بشرط أن لايكون القلب والاضطراب قادحاً (3) .
نعم إذا كان القلب قادحاً فالحديث ضعيف.
المقصد الرابع: كيف يُعْرَف القلب.
الأصل في معرفة وقوع القلب في الحديث وكشفه هو جمع طرقه والنظر فيها، ومقابلتها بأحاديث الثقات.
قال ابن حبان (ت354هـ) رحمه الله، سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: "جاء يحي بن معين (ت233هـ) إلى عفان ليسمع منه كتب حمّاد ابن سلمة، فقال له: ما سمعتها من أحد؟ قال: نعم حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة! فقال: والله لا حدّثتك! فقال: إنما هو وَهْم، وانحذر إلى البصرة واسمع من التبوذكي. فقال: شأنك!
فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل فقال له موسى: لم تسْمع هذه الكتب عن أحد؟
قال: سمعتها على الوجه من سلعة عشر نفساً وأنت الثامن عشر!
فقال: وما تصنع بهذا؟
فقال: إن حمّاد بن سلمة كان يخطيء فأردت أن أميِّز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حمّاد، فأميِّز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطيء عليه" (1) .
وقال يحي بن معين (ت233هـ) رحمه الله: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه" (2) .
ولا يتوقف الحال على هذا؛ بل هم يعتبرون حديثه بأحاديث الثقات.
عن عبد الرحمن بن مهدي (ت198هـ) رحمه الله قال: "كنا عند شعبة (ت160هـ) فسئل: يا أبا بسطام حديث من يترك؟ قال: من يكذب في الحديث، ومن يكثر الغلط، ومن يخطيء في حديث مجتمع عليه فيقيم على غلط فلا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. وليس يكفيه في الرجوع أن يمسك عن رواية ذلك الحديث في المستقبل حسب، بل يجب عليه أن يظهر للناس أنه كان قد أخطأ فيه وقد رجع عنه" (3) .
وقال أحمد بن حنبل (ت241هـ) رحمه الله: "توهمت أن بقية لا يحدِّث بالمناكير عن المشاهير فعلمت من أين أتي" (4) .
قال الحاكم (ت405هـ) رحمه الله: "إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث"اهـ (5) .
قال ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله: "إنما يظهر أمر [المقلوب] بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ، فكل مقلوب لا يخرج عن كونه معللاً أو شاذاً"اهـ (6) .