قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؟
فقال: لو كرهه لنهى عنه" (3) .
قال البيهقي (ت463هـ) رحمه الله: "في سؤال شعبة وجواب قتادة في هذه الرواية الصحيحة تكذيب من قلب هذا الحديث وأتى فيه بما لم يأت به الثقات من أصحاب قتادة"اهـ (4) .
يشير إلى أن الرواية التي جاءت لهذا الحديث عن قتادة وفيها: "النهي عن القراءة" مقلوبة؛ إذ رواية قتادة لا تفيد النهي، والراوي أدرى بمرويه؛ فمن رواه عن قتادة على النهي فقد انقلب عليه الحديث، وهو ماجاء عن ابن صاعد عن يوسف عن سلمة بن الفضل عن حجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني سورتي فنهى عن القراءة خلف الإمام".
قال ابن صاعد (ت318هـ) : قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإمام" تفرد بروايته حجاج، وقد رواه عن قتادة: شعبة وابن أبي عروبة ومعمر وإسماعيل ابن مسلم وحجاج وأيوب بن أبي مسكين وهمام وأبان وسعيد بن بشر فلم يقل أحد منهم ما تفرد به حجاج. قال شعبة: سألت قتادة كأنه كرهه؟ قال: لو كرهه لنهى عنه"اهـ (1) .
ومعنى هذا الكلام: أن الرواية التي جاءت للحديث من طريق قتادة وفيها التصريح بالنهي عن القراءة مطلقاً خلف الإمام؛ رواية مقلوبة، انقلبت على الراوي عن قتادة، إذ رواية قتادة ليس فيها النهي عن القراءة خلف الإمام، بل قتادة نفسه الراوي لها صرّح بذلك، فكيف يكون في رواية الحديث عن طريقه التصريح بالنهي مع تصريحه بأنها لم تتضمن النهي عن القراءة؟!
11 ومن فوائد معرفة المقلوب: أن الراوي قد يقلب سند الحديث فيُظن أنه صحابي وهو تابعي! يكشف ذلك بمعرفة وقوع القلب في السند على الراوي.
في الرواة: أشعث بالمثلثة بن عمير بن جودان. يروي عن أبيه.
وقع في بعض الروايات عمير بن أشعث بن جودان عن أبيه.
فجعل عمير اسم لولده، يروي عن أبيه أشعث، فظُنّ الأب (أشعث) من الصحابة!
والصواب: عن أشعث بن عمير بن جودان عن أبيه. قاله ابن منده وغيره.
وقال أبو نعيم (ت430هـ) : "قلبه بعض الرواة"اهـ (2) .
وفي الرواة: ثابت بن معبد تابعي أرسل حديثا أو وصله فانقلب على بعض رواته، فتُوهِّم أنه صحابي.
ذكره ابن منده وبين جهة الوهم فيه قال: "روى عمرو بن خالد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن رجل من كلب عن ثابت بن معبد أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة من قومه أعجبه حسنها الحديث".
هكذا قال: "عمرو"! ورواه علي بن معبد وغيره عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك عن ثابت بن سعيد عن رجل من كلب بهذا.
قال ابن منده (ت395هـ) : "هذا هو الصواب قلبه عمرو بن خالد"اهـ.
وقال البخاري (ت256هـ) رحمه الله: "ثابت بن معبد روى عنه عبد الملك ابن عمير منقطع حديثه في الكوفيين"اهـ (1) . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: "ثابت ابن معبد، روى عن عمر بن الخطاب روى عنه عبد الملك"اهـ (2) .
وقال ابن حبان (ت354هـ) رحمه الله: "ثابت بن معبد يروي عن عمه، روى عنه عبد الملك بن عمير"اهـ (3) .
وقال ابن مندة (ت395هـ) : "تابعي عداده في أهل الكوفة "اهـ (4) .
المقصد الثالث: حكم الحديث المقلوب ومرتبته
قلب الحديث إمّا أن يقع عمداً بقصد الامتحان أو بقصد الإغراب، وإما أن يقع سهواً.
فإن وقع سهواً بلا تفريط في حق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر فيه قريب (5) ، ولا إثم على من وقع منه ذلك والحال هذه، إن شاء الله تعالى. لكن حديثه وضبطه يُخْدَش بذلك بحسب كثرة الخطأ، فإن كان الغالب عليه الخطأ وعدم الحفظ، فكثر القلب في حديثه فهو منكر الحديث، وإن لم يكن غالباً فبحسبه، فتارة يكون صاحبه من شرط الحسن وتارة من شرط الصحيح لكن لا في أعلى درجاته، ما دام أن ذلك لم يكن غالباً ولا كثيراً في مروياته!