القلب بإعطاء أحد المذكورين في الحديث ما اشتهر للآخر. وهذا قلب في المتن. ويسميه ابن الجزري ب "المنقلب". وقال السراج البلقيني (ت805هـ) رحمه الله: "يمكن أن يسمى ذلك بالمعكوس، فينبغي أن يفرد بنوع خاص ولكن لم أر من تعرض له"اهـ (4) . وتبع القاسميُّ رحمه الله ابن الجزري رحمه الله في اصطلاحه.
القلب بجعل سند هذا الحديث لمتن الآخر ومتن الآخر لسند هذا الحديث. وهذا قلب في الإسناد عند الأكثرين، وقلب للمتن عند بعضهم، وهو في حقيقته مشترك بينهما (5) . ويسميه ابن الجزري كما سبق ب "المركب"، وتابعه على ذلك القاسمي.
وهذه الصور مشتملة على أقسام المقلوب؛
فهو ينقسم باعتبار موضعه إلى قسمين:
مقلوب في السند.
مقلوب في المتن.
وينقسم باعتبار تعمده أو عدمه إلى ثلاثة أقسام:
القلب عمداً بقصد الإغراب.
القلب عمداً بقصد الامتحان.
القلب بدون قصد، وهماً وغلطاً.
والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: عموم وخصوص مطلق، فكل مقلوب اصطلاحي مقلوب لغة ولا عكس.
إذ القلب في اللغة عام في كل صرف لأي شيء عن وجهه، وفي الاصطلاح عند المحدثين خاص بصرف الحديث عن وجهه على هيئة مخصوصة.
المقصد الثاني: فوائد معرفة الحديث المقلوب
بعد أن تعرفنا على حقيقة وماهية الحديث المقلوب عند علماء الحديث، نقف هنا على فوائد معرفة الحديث المقلوب، وهي كثيرة الأفراد أذكر مجملها في النقاط التالية:
1 من فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث يُظن فائدة، وليس كذلك، إذ يُكتشف أنه مقلوب.
قال شعبة (ت160هـ) رحمه الله: "أفادني ابن أبي ليلى أحاديث فإذا هي مقلوبة" (1) .
2 من فوائده: كشف تحقق حصول الاتصال من عدمه.
قال ابن أبي حاتم رحمه الله: "سمعت أبي يقول: إسماعيل بن أبي خالد الفَدَكي لم يدرك البراء. قلت: حدّث يزيد بن هارون عن سيّار عن يحي بن أبي كثير عن إسماعيل بن أبي خالد الفدكي أن البراء بن عازب رضي الله عنه حدّثه في الضحايا؟ قال: هذا وهم، وهو مرسل"اهـ (2) .
قلت: ومعنى هذا أن الرواية انقلبت على أحدهم فرواه بصيغة السماع بين إسماعيل بن أبي خالد والبراء بن عازب، والحقيقة أنه لا سماع بينهما.
قال أبوزرعة الرازي (ت264هـ) رحمه الله، في "عبد الرحمن بن أبي الموال": "لا بأس به، صدوق". وذكر الذهبي في الميزان (3) حديثاً يرويه عبد الرحمن بن أبي الموال عن عبيد الله بن موهب عن عمرة عن عائشة. قال أبوزرعة: "هذا خطأ. الصحيح عن ابن موهب عن علي بن الحسين، مرسل".
قلت: وهذا بمعنى أنه أخطأ فقلبه! والملحوظ هنا أن قلبه أوهم اتصال سند الحديث!
ومن هذا القبيل ما تراه في بعض الأسانيد من صيغة السماع بين راويين صرّح أهل العلم بأنه لم يقع بينهما! ولا ينبغي العدول عن تصريح أهل العلم لمجرد وقوع مثل هذا الأمر في الأسانيد، إذ يغلب على الظن عندها أن وقوع ذلك هو من قبيل القلب (4) .
قال ابن حبان (ت354هـ) رحمه الله، في ترجمة: "سالم بن عبد الله الخياط": "يقلب الأخبار ويزيد فيها ما ليس منها ويجعل روايات الحسن عن أبي هريرة سماعاً، ولم يسمع الحسن عن أبي هريرة شيئاً. لا يحل الاحتجاج به" (1) .
3 ومن فوائد معرفة المقلوب: أن القلب يوهم التفريق بين رجلين لوجود اسمين وهما واحد، يُعرف هذا بمعرفة أن الحاصل من الاسمين إنما هو من باب قلب الأسماء.
ومن هؤلاء الذين انقلبت أسماؤهم بالتقديم والتأخير فظُن أنهما اثنان كثير ممن يوردهم الحافظ ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله في كتابه "الإصابة"، في القسم الرابع من كل حرف، والذي خصصه رحمه الله فيمن ذكر في الكتب التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك، فمن هؤلاء:
بشر بن رافع السلمي، قلبه بعضهم إلى "رافع بن بشر" السلمي (2) .
بلال بن الحارث المزني انقلب اسمه إلى "الحارث بن بلال المزني" وهو هو! (3) .