فكل من ذل الإنسان له - غير الله -، وأطاعه، مع حبه له، وحبه لأمره فقد عبده، وهذا شرك أكبر، لايطهره إلاَّ الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً.
وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في الحديثين هي أركان التوحيد: ألا يتخذ سواه رباً، ولا إلهاً، ولا غيره حكماً.
قال الله - تعالى -: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ (5) .
وقال - سبحانه -: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ (6) يعني معبوداً، وناصراً، ومعيناً، وملجأ، وهو ما يتضمن الحب والطاعة.
وقال - عزّوجل -: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (1) .
ولو تأملت الآيات الثلاث لرأيتها نفس الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً.
فحقيقة الرضا بالله رباً ... أن يترك ويسخط عبادة ما دون الله من الآلهة الباطلة، ويعبد الله وحده حباً، وخوفاً، ورجاء، وتعظيماً، وإجلالاً.
فجميع أقوال اللسان وأعماله، وأقوال القلب وأعماله، تنبني على توحيد الله - عزّوجل - وعبادته، وسخط عبادة ما سواه.
فهو المحبوب وأمره المحبوب، وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان، كما قال رسول الله - (-: ﴿ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مِمَّا سواهما، وأن يحب المرء لايحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار﴾ (2) .
لكن كثير من الناس يرضي بالله رباً، ولايبغي رباً سواه، لكنه لايرضى به وحده ولياً وناصراً، بل يوالي من دونه أولياء طناً منه أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك، وهذا عين الشرك، بل التوحيد: أن لايتخذ من دونه أولياء، والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء.
وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله، وعباده المؤمنين فيه، فإن هذا من تمام الإيمان ومن تمام موالاته.
فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون، ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه؛ لأن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه.
وكثير من الناس يبتغي غيره حكماً، يتحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه.
وفي المنهيات وتركها الخير كل الخير للمؤمن، فإذا نهى عن شيء، ولو رأى أنه بحاجته، أو يحبه، أو غير ذلك، فإنه إن تركه تنفيذاً لنهى الله عنه، أو نهي رسوله، عوضه الله خيراً، كما في الحديث: ﴿إنك لن تدع شيئاً اتقاء لله إلاَّ أعطاك الله خيراً منه﴾ (3) .
وقال سفيان - رحمه الله -: ﴿إنه بلغني أنه ليس أحد يدع من الدنيا شيئاً لله إلاَّ عوضه الله خيراً من ذلك﴾ (1) .
فعلى المؤمن أن يرضى بطاعة الله عن معصيته، وأن يترك المعصية لله - تعالى - يكتب له الأجر، ويرضى الله عنه، فيكون له الرضى.
وقد روي عن أبي سليمان الداراني المتصوف: ﴿إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض﴾ (2) .
قال ابن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذا القول: ﴿وذلك أن العبد إنَّما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، ... ، فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق﴾ (3) .
وهذا معناه الطمأنينة إلى أحكام الله، وأوامره، والانتهاء عما نهى الله عنه.
وقد ذم الله تارك الرضا بما أمر به، وفاعل ما نهى عنه في نصوص كثيرة منها:
قوله - تعالى -: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (4) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (5) .
وقوله - عزّوجل -: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (6) .
ومن الناس من يبعد عن الأمر الشرعي، ويسترسل حتى ينسلخ من الإسلام بالكلية، ويبقى واقفاً مع هواه والقدر.