وهو من سعادة المؤمن في الدنيا والآخرة، كما في حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: ﴿من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له﴾ (3) .
وقيل: إن الله جعل الروح والفرح في الرضا بقضاء الله - تعالى - كما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - (- قال: ﴿لاترضين أحداً بسخط الله، ولاتحمدن أحداً على فضل الله، ولاتذمن أحداً على ما لم يرد الله، فإن رزق الله لايسوقه إليك حرص حريص، ولايرده عنك كراهة كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والراحة والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط﴾ (4) .
و ﴿الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات﴾ (5) .
ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين، كما في حديث جبريل - عليه السلام - المشهور (6) .
وروي أن أبا الدرداء قال: ﴿ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب﴾ (1) .
ومقام الرضا أعلى من مقام الصبر.
قال ابن القيم - رحمه الله -: ﴿فمقامات الإيمان لاتعدم بالتنقل فيها، بل تندرج وينطوي الأدنى في الأعلى، كما يندرج الإيمان في الإحسان، وكما يندرج الصبر في مقامات الرضا، لا أن الصبر يزول، ويندرج الرضا في التفويض، ويندرج الخوف والرجاء في الحب، لا أنهما يزولان﴾ (2) .
ثُمَّ إن الرضا من المقامات التي توصل الطمأنينة؛ لأنها مقام جامع للإنابة والتوكل والرضا والتسليم، فهي معنى ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة، وما نقص من هذه الأمور نقص من الطمأنينة (3) .
وكم يتمنى العبد الحصول على الطمأنينة فالرضا من الأمور التي تسبب في وصول العبد إليها، فهو باب الله الأعظم (4) .
قال ابن القيم - رحمه الله -: ﴿ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين﴾ (5) .
وقال ابن تيمية - رحمه الله -: ﴿وإن ارتقى إلى الرضا رأى أن الرضا جنة الدنيا، ومستراح العابدين وباب الله الأعظم﴾ (6) .
وقال الفضيل بن عياض: ﴿الرضا عن الله درجة المقربين ليس بينهم وبين الله - تعالى - إلاَّ روح وريحان﴾ (7) .
ومن الكلام الحسن في فضل الرضا، وبيان منزلته، ما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: ﴿أمَّا بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلاَّ فالصبر﴾ (8) .
وما روي عن الفضيل بن عياض - رحمه الله -: ﴿الرضا أفضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لايتمنى فوق منزلته﴾ (9) .
وسئل أبو سهل محمد بن سليمان (1) عن الشكر والصبر أيهما أفضل، فقال: ﴿هما في محل الاستواء فالشكر مطية السراء، والصبر فريضة الضراء، قال: وقيل: الصبر أسنى الأمرين؛ لأن الشكر استجلاب واستدعاء، والصبر استكفاء وارتضاء، وموضع الرضا يفضل موضع الدعاء ... ﴾ (2) .
وروي عن مجاهد عن ابن عباس: ﴿أوحى الله إلى موسى - عليه السلام - إنك لم تتقرب إليّ بشيء أحب من الرضا بقضائي﴾ (3) .
وقال الذهبي - رحمه الله - في كتاب الكبائر: ﴿أجمع سبعون رجلاً من التابعين، وأئمة المسلمين، والسلف، وفقهاء الأمصار، على أن السنة التي توفي عليها رسول الله - (- أولها: الرضا بقضاء الله وقدره، والتسليم لأمره، والصبر تحت حكمه، والأخذ بما أمر الله به، والنهي عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر، خيره وشره، وترك المراء، والجدال، والخصومات في الدين ... ﴾ (4) اهـ.
ومِمَّا قيل في فضل الرضا بالقضاء:
وما لي من عبد ولا من وليدة
وإني لفي فضل من الله واسع
بنعمة ربي ما أريد معيشة
سوى قصد حال من معيشة قانع
ومن يجعل الرحمن في قلبه الرضا