تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن فضل الله تعالى أن بعض المحققين والمترجمين لكتب المستشرقين دافع عن الإسلام دفاعاً قوياً مجيداً، ومن أبرزهم في هذا الميدان أستاذنا العلامة الدكتور عبد الحليم النجار - طيب الله ثراه، ورحمه رحمة واسعة جزاء ما قدّم من خدمة جليلة للإسلام والمسلمين أجمعين.

(2) - الاعتراف:

كنتُ أظن أنني أول من تنبّه لهذا المأخذ ضد شيخنا وشيخ النحاة أجمعين سيبويه العبقري العظيم ... وكنت أيام الشباب سعيداً بهذا السبق إلى حد كبير ... وظللتُ حيناً من الدهر أرْصُدُ هذه القضية بدقةٍ واعية، وألحظها بعينٍ لا تغفل وأرقُبها بعقل متيقّظٍ متوهّج دَءُوب.... إلى أن جاءت المفاجأة السارة بالعثور على نص صريح في شرح السيرافي للكتاب، يذكر فيه أن قوماً كثيرين أنكروا هذه الفكرة التي تقول: إن حذف الياء من المنقوص المقرون بالألف واللام هو من الضرورة الشعرية، ولكن هذا الإنكار جاء خالياً من كل تفصيل أو تحليل، واكتفى بذكره موجزاً غاية الإيجاز وإليك النص بحذافيره كما جاء في شرح السيرافي حيث قال: ((وأما حذف الياء مع الألف واللام فإنّ سيبويه ذكره في باب ضرورة الشاعر، فأنكره كثير من الناس وقالوا: قد جاء في القرآن بحذف الياء في غير رءوس الآي، وقرأ به عِدّةٌ من القراء كقوله تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدِ ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً﴾ (52) . وفي آيٍ غيرها وما جاء مثله في القرآن وقرأتْ به القُراء لم يدخل مثلُه في ضرورة الشعر)) (53) .

ومهما يكن من أمر فإن فرحة السبق قد ضاعت مني ولكنني مع ذلك جِدّ سعيد حيث وجدتُ من العلماء الأجلاء من يؤيدني في هذا الإنكار، ولم أكن بدعاً ولا وحيداً في هذه القضية، ومن هذا المنطلق أحسستُ بالسعادة الغامرة، ولست أدري بأيّ الأمرين أنا أسعد: بالسبق أم بالتأييد؟ هما أمران كلاهما حلو المذاق عند من ينشد الحق والحقيقة أيّاً كانت وكيفما كانت، وحيثما تكون - فالمهم عندي هو صحة الفكرة من حيث هي فكرة، ولا يعنيني بعد ذلك إن كنت من السابقين أو من اللاحقين!

صحيح أنه ضاع مني السبق الذي كنت أعتزّ به، ولكن أصحُّ من هذا أن الوصول إلى الحقيقة العلمية أعزّ من هذا وأكبر، لأن الحقيقة هي ضالة المؤمن ينشدها أنّى وجدها، ولا يبالي بعد ذلك بما يفوته من الاعتزاز أو الزهو أو الإعجاب، أو غير هذا وذاك من كل ما يدخل في دائرة الرعونة أو طيش الشباب.

وإن أنْسَ لا أنْسَ أن أسلافنا الأوائل هم أصحاب الفضل الأول علينا بعد الله تعالى، رضوان الله عليهم أجمعين - جزاهم الله عن العلم وأهله خير ما يجزي به العلماء الأبرار.

ولله در الشاعر الوفي (ابن مقبل) حين قال - وما أجمل ما قال -:

ولو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً بسُعْدَى شفيتُ النفس قبل التندم

ولكن بكتْ قبلي فهَيّج لي البكا بكاها فقلت: الفضل للمتقدم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،

الحواشي والتعليقات

في طبعة - بولاق 1 / 8، وفي تحقيق هارون 1 / 26.

في رواية أخرى (ويَعُدْنَ) بدلاً من (ويكُنّ) والمعنى مستقيم في كلتيهما كما ترى.

1 / 8 بولاق و1 / 26 هارون.

عبارة السيرافي (لم يَتَقصَّه) والمعنى متحد كما ترى.

((الكتاب)) 1 / 12 بولاق - وفي هارون 1 / 32.

مات سيبويه وعمره ثلاث وثلاثون سنة في أرجح الأقوال - انظر أخبار النحويين البصريين للسيرافي ص 37 ط (1) سنة 1374 هـ - 1955 م - وكتاب طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص 74 ط (1) 1373 هـ - 1954 م، وإنباه الرواة للقفطي 2 / 353 طبع دار الكتب المصرية 1369 هـ - 1950 م.

1 / 342 بولاق، وفي هارون 2 / 269.

في بولاق 1 / 382، وفي هارون 2 / 362.

حققه الدكتور رمضان عبد التواب ونشره بعنوان: (ضرورة الشعر لأبي سعيد السيرافي) كما أن الدكتور عوض القوزي حققه تحقيقاً آخر ولكن نشره بعنوان: ((ما يحتمل الشعر من الضرورة)) ، وسيأتي بيان الطبعات لكل منهما في فهرس المراجع.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٢٨