وأيضاً فإنَّ الحرفَين إذا تكرَّرا فكان أحدُهما لمعنًى، وكان الآخَرُ من كلمةٍ، حُذِفَ الذي من الكلمة، وتُرِكَ الذي جاء لمعنًى وذلك نحو: ((تكَلَّمُ)) ، فالمحذوفُ تاءُ (تَفَعَّلُ) لا التَّاءُ التي فيها دليلُ المضارَعَةِ، وكذلك يكون قولُهُم: ((لاهِ أبوكَ)) . انتهت الحكايةُ عن أبي العباس.
قال أبو عليٍّ: والجوابُ عن الفصل الأوَّل: أنَّ حرفَ المعنى قد حُذِفَ حذفاً مُطَّرِداً (1) في نحو قولهم: ((واللهِ أفعلُ)) إذا أرَدْتَ: واللهِ لا أفعلُ، وحُذِفَ أيضاً في قولهم: ((لأَضْرِبَنَّهُ ذَهَبَ أو مَكَثَ)) ، وحُذِفَ أيضاً في قول كَثيرٍ من النَّحْويِّين [من] نحو: هذا زيدٌ قَامَ، تريدُ: قد قام (2) /، و ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ (3) . وليس في هذه الضُّرُوب المطَّرِدةِ الحذفِ دلالةٌ تدلُّ عليها من اللَّفظ. فإذا ساغ هذا فحذفُ الذي يبقى في اللَّفظ دلالةٌ عليه منه أَسْوَغُ.
وقد حُذفت همزة الاستفهام في نحو قول عِمرانَ بنِ حِطَّانَ (4) :
فَأَصْبَحْتُ فِيهِم آمِناً لاَ كَمَعْشَرٍ
أَتَونِي فَقَالُوا مِنْ رَبِيْعَةَ أَو مُضَرْ
وأبياتٍ أُخَر (5) . وحُذِفَت اللاَّمُ الجازمةُ في نحو قولِ الشَّاعر (6) :
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ
إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ قَومٍ تَبَالاَ
وأنشَد أبو زيدٍ (7) :
فَتُضْحِي صَرِيْعاً مَا تَقُومُ لِحَاجِةٍ
وَلاَ تُسْمِعُ الدَّاعِي وَيُسْمِعْكَ مَنْ دَعَا
وأنشَدَ البغداديُّونَ (8) :
وَلاَ تَسْتَطِلْ مِنِّي بَقَائِي وَمُدَّتِي
وَلَكِنْ يَكُنْ لِلْخَيرِ مِنْكَ نَصِيْبُ
وأنشَدوا (9) :
فَقُلْتُ ادْعِي وَأَدْعُ فإِنَّ أَنْدَى
لَصَوتٍ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ
وقال الكِسَائيُّ في قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ (10) إنماَّ هو لِيَغْفِرُوا (11) ، فحَذَفَ اللاَّمَ. وقياسُ قوله هذا عندي أنْ تكونَ اللاَّمُ محذوفةً من هذا القَبِيْلِ، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِيْنَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (12) ، وقالوا: ((اللهِ لأفعَلَنَّ)) (13) .
وحُذِفَ الحرفُ في ما كان من نحو: ((ما كان لِيَفْعَلَ)) ، ومع الفاء والواو وأو وحتَّى.
فإذا حُذفَ في هذه الأشياء لم يمتنعْ حذفُهُ في هذا المواضعِ أيضاً؛ لأنَّ الدلالةَ علىحذفه قائمةٌ. ألا ترى أنَّ انجِرَارَ الاسمِ يدلُّ عليه،كما أنَّ انتصابَ الفعل في المواضع التي ذكَرْنا يدلُّ عليه.
فالحذفُ في هذا الحرفِ الزَّائدِ كالحذف في الحروف الأصليَّة؛ إذ الدلالةُ قائمةٌ على حَذْفِهِ،كالدَّلالة على الحذْفِ من الأصل نحو: ((لم أُبَلْ)) وأَبْلَغُ؛ لأنَّ الجرَّ في الاسم يدلُّ على الجارِّ المحذوفِ، وقد حُذِفَ الحرفُ الزَّائِدُ كما حُذِفَ الأصل نحو: إنِّي ولعلِّي، وكحَذْفِهِم التَّاءَ من ((استطاع)) (1) . وكذلك يَسُوغُ حَذْفُ هذا الزَّائدِ الجارِّ. وقد حذفوا الجارَّ أيضاً في قولهم: ((مَرَرْتُ برَجُلٍ إنْ صالِحٍ وإنْ طالِحٍ)) (2) .
فليس في شيءٍ ذَكَروهُ في الفصل الأوَّلِ ما يمتنعُ له حَذْفُ الحرفِ من قولهم: ((لاهِ أبوكَ)) .
وأمَّا ما ذَكَروه في الفصل الثَّاني من أنَّ الحذفَ إنما يكونُ فيما يتكرَّرُ من الحروفِ؛ لأنَّ الاستثقالَ به يكونُ، فقد حُذِفَ الأوَّلُ من الحروف المتكرِّرَة، كما حُذِفَ الثَّاني منها، وذلك قولُهُم: ظَلْتُ ومَسْتُ (3) ونحو ذلك.
فإن قلتَ: فما الدَّليلُ على أنَّ المحذوفَ الأوَّلُ، وما يُنكِرُ أنْ يكونَ الثَّانيَ؟
فالدَّليلُ على أنَّهُ الأوَّلُ قولُ مَن قال في ((ظَلِلْتُ)) : ظِلْتُ، وفي ((مَسِسْتُ)) : مِسْتُ (4) ، فأَلْقَى حركةَ العينِ المحذوفةِ على الفاءِ،كما ألقاها عليها في ((خِفْتُ)) و ((هِبْتُ)) و ((طُلْتُ)) (5) .